22/05/2026
قسوة #المماليك في الحروب (مثال: حرب أنطاكية):
عكسَ الأيوبي" الذي كان يعامل أسرى الصليبيين معاملةً حسنة، كان المماليك يُعرفون بقسوتهم في معاملة أسرى الصليبيين والمغول، وخاصةً الظاهر بيبرس الذي اشتهر بشدته وقسوته. ونذكر من ذلك ما وقع عند استيلائه على مدينة أنطاكية، حيث قام بذبح الآلاف من أسرى الصليبيين بعد سقوط المدينة، وباع من بقي منهم في أسواق النخاسة، وهدم كنائس المسيحيين، وقتل رهبانها. ولم يسلم المدنيون من سيفه، فقتل الرجال، وبيعت النساء والأطفال في الأسواق، وترك المدينة خرابًا يبابًا، فلم يترك فيها حجرًا على حجر.
وهذه رسالته إلى الأمير الصليبي بوهيموند السادس، سيد أنطاكية، الذي كان خارجها عندما اقتحمها بيبرس ودمّرها. ويظهر لنا في هذه الرسالة، التي وردت في كتاب نهاية الأرب ، سخرية بيبرس من الأوروبيين وأميرهم، وافتخاره بتدمير مدنهم وإبادة جنودهم ومواطنيهم عن بكرة أبيهم:
«قد علم الأمير الجليل، المبجل، المعزز، الهمام، الأسد الضرغام، فخر الأمة المسيحية، رئيس الطائفة الصليبية، كبير الأمة العيسوية… ألهمه الله رشده، وقرن بالخير قصده، وجعل النصيحة محفوظة عنده… قد علم غزونا له في عقر داره، وما شاهده بعد رحيلنا من إخراب العمائر، وهدم الأعمار، وكيف كُنِسَت الكنائس من على بساط الأرض، ودارت الدوائر على كل دار، وكيف جُعلت تلك الجزائر من الأجساد على ساحل البحر كالجزائر، وكيف قُتلت الرجال، واستُخدم الأولاد، وتُمُلِّكت الحرائر، وكيف قُطعت الأشجار، ولم يُترك إلا ما يصلح لأعواد المجانيق والستائر، وكيف نهبنا لك ولرعيتك الأموال والحريم والأولاد والمواشي… هذا وأنت تنظر نظر المغشي عليه من الموت».
«وقد فتحناها بالسيف في الساعة الرابعة من يوم السبت، رابع شهر رمضان، وقتلنا كل من اخترته لحفظها والمحاماة عنها، وما كان أحد منهم ومنها. فلو رأيت خيالتك وهم صرعى تحت أرجل الخيل، وديارك والنهابة فيها تصول، والكسابة فيها تجول… ولو رأيت كنائسك وصلبانها قد كُسِّرت، وصحفها من الأناجيل المزورة قد نُشرت، وقبور البطاركة قد بُعثرت، ولو رأيت عدوك المسلم وقد داس مكان القداس والمذبح، وقد ذُبح فيها الراهب والقسيس والشماس والبطاركة… ولو شاهدت النيران وهي في قصورك تحترق، والقتلى بنار الدنيا قبل نار الآخرة تحترق، وقصورك وأحوالها قد حالت، وكنيسة بولس وكنيسة القسيان قد زلّت كل منهما وزالت، لكنت تقول: ﴿يا ليتني كنت ترابًا ويا ليتني لم أُوتَ هذا الخبر كتابًا﴾، ولكانت نفسك تذهب من حسرتك، ولكنت تطفئ تلك النيران بماء عبرتك. ولو رأيت مغانيك وقد أقفرت من مغانيك، ومراكبك وقد أُخذت في السويدية بمراكبك… لأيقنت أن الإله الذي أنطاك أنطاكية منك استرجعها، والرب الذي أعطاك قلعتها منك قلعها ومن الأرض اقتلعها… واستنزلنا أصحابك من الصياصي، وأخذناهم بالنواصي، وفرقناهم في الداني والقاصي، ولم يبق شيء يطلق عليه اسم العصيان إلا النهر، فلو استطاع لما تسمى بالعاصي، وقد أجرى دموعه ندمًا، وكان يذرفها عبرةً صافية، فها هو أجراها بما سفكناه فيه دمًا».
وختم كلامه بقوله:
«وكتابنا هذا يتضمن البشرى لك بما وهبك الله السلامة وطول العمر، بكونك لم يكن لك في أنطاكية في هذه المدة إقامة، وكونك ما كنت بها، فتكون إما قتيلًا وإما أسيرًا وإما جريحًا وإما كسيرًا. وسلامة النفس هي التي يفرح بها الحي إذا شاهد الأموات، ولعل الله ما أخّرك إلا لأن تستدرك من الطاعة والخدمة ما فات. ولما لم يسلم أحد يخبرك بما جرى خبرناك، ولما لم يقدر أحد يباشرك بالبشرى بسلامة نفسك وهلاك ما سواها باشرناك بهذه المفاوضة وبشرناك، لتحقق الأمر على ما جرى. وبعد هذه المكاتبة، ألا ينبغي لك أن تكذب لنا خبرًا، كما أن بعد هذه المخاطبة يجب ألا تسأل غيرها مخبرًا».
و قد استمرت هذه السياسة المملوكية في الابادة و التدمير الاستراتيجي للمدن الصليبية في الشام و هدم تحصيناتها و قتل كل من فيها ، فكانت تحركاتهم أسرع وأكثر حسمًا ، و كانوا أقل ميلًا للتفاوض ، و يعتمدون على الردع القاسي .
حتى عهد السلطان المنصور قلاوون وابنه الأشرف خليل، أين انتهى الوجود الصليبي في الشام بالكامل بسقوط مدينة عكا.
بعد اقتحام آخر معقل صليبي حدثت عمليات قتل وأسر ونهب واسعة، ثم هدم تحصيناتهم حتى لا تعود هناك قاعدة صليبية في الشرق ، و تم اسر نساء الصليبيين و أولادهم و بيعهم كعبيد في القاهرة و فر فلولهم خائفين الى أوروبا و بهذا انتصر المسلمون في الحروب الصليبية في القرون الوسطى.