31/10/2026
الدكتورة هبة عبد المعز تكتب لـ«صوت الجنوب» عن رحيل رئيس جامعة قنا الأسبق عبد المتين موسى: «وكأنها دعوة من الغيب إلى لقاء أخير».
وكأنها دعوةٌ من الغيب إلى لقاءٍ أخير...
ثمة مواقف تعبر بنا الحياة، فنحسبها عابرة، ثم لا تلبث أن تستقر في أعماقنا، وتوقظ فينا مشاعر نظن أننا أحسنا مواراتها في زوايا الذاكرة. وثمة مصادفات تبدو في ظاهرها محض اتفاق، لكنها في وجداننا تكتسب معنى يتجاوز حدود المصادفة، حتى ليخال إلينا أن للأقدار رسائل لا تُقرأ إلا بقلوبٍ أرهفها الفقد، وأثقلتها الذكريات.
حين تلقيت نبأ رحيل الأستاذ الدكتور عبد المتين موسى، تلك القامة العلمية والإنسانية الرفيعة، أدركت أن الغياب قد يترك من الفراغ ما تعجز الأيام عن ملئه، وأن بعض الرجال لا يُقاس حضورهم بمناصبهم ومكانتهم فحسب، وإنما بما يتركونه في نفوس الآخرين من أثرٍ عميق، وبما ينسجونه من وشائج المودة والتقدير التي لا تنقطع برحيل أصحابها.
تحركت مع السيارات، وكان ظني أنها ستعبر طريق نجع حمادي، كما جرت العادة في قرى أولاد نجم، غير أنها سلكت طريق القمانة، وإذا بي أجد نفسي أمام المقابر.
نزلت من السيارة، مدفوعةً بفضول معرفة موضع القبر، فإذا به قريب من قبر أبي، ذلك الذي كنت قد زرته قبل أسبوعين فحسب.
وهنا، لم تعد المسألة بالنسبة إليّ مجرد طريقٍ تغيّر، أو محطةٍ لم تكن في الحسبان؛ فقد استوقفتني هذه المصادفة، وأخذت أستعيد تفاصيل زيارتي السابقة لأبي، وكأن الله قد أراد لي أن أتعرف إلى مداخل المكان ومخارجه، وأن أختزن في ذاكرتي معالمه، تمهيدًا لهذه اللحظة التي ساقني فيها الطريق إلى قبر رجلٍ كانت بينه وبين أبي صلة زمالة ومودة واعتزاز.
ولعل أكثر ما استوقفني أن الخطأ الذي قادني إلى ذلك الموضع، أو ما بدا لي خطأً في مسار الطريق، أصبح سببًا في معرفتي بمكان قبر الأستاذ الدكتور عبد المتين موسى. عندها شعرت وكأنني أمام دعوةٍ خفية إلى الزيارة؛ دعوة لم تأتِ في رسالة، ولم ينطق بها لسان، ولكنها بلغت وجداني على نحوٍ يصعب عليّ تجاهله أو المرور به مرورًا عابرًا.
وعقدت العزم بيني وبين نفسي على أن تكون لي، كلما زرت أبي، زيارةٌ لقبره؛ فقد كانا فى نفس الدفعة وكانا يعتزان اعتزازًا كبيرًا بهذه الزمالة، وكأنني، بهذا العهد الصامت، أحاول أن أحفظ شيئًا من ودّ أبي، وأن أصون امتداد علاقةٍ لم تنتهِ في وجداني برحيل أحد طرفيها.
ولم تكن صلتي بالأستاذ الدكتور عبد المتين موسى مجرد معرفة عابرة؛ فقد ترك في نفسي موقفًا لا تزال تفاصيله حاضرة بكل ما حملته من دفءٍ إنساني وصدقٍ في المشاعر.
قبل عامين، حين ذهبت لأداء واجب العزاء في الأستاذ الدكتور عبد الحي موسى، استقبلني الأستاذ الدكتور عبد المتين موسى بحفاوة بالغة، ثم قال لي، في عبارةٍ خرجت من القلب واستقرت في القلب: «إنتِ بنتي».
ربما بدت الكلمات يومها بسيطة في مبناها، لكنها كانت عظيمة في معناها؛ ففي لحظة عزاء، وسط مشاعر الفقد، منحني من المودة ما جعلني أشعر أنني لست غريبة عن مجلسه، وأن بيننا رابطةً إنسانية تتجاوز حدود المعرفة إلى رحابة الأبوة المعنوية ودفء الاحتواء.
واليوم، حين ذهبت لأداء واجب العزاء فيه، لم أذهب بالشعور ذاته الذي حملته قبل عامين. لم أكن مجرد امرأة تؤدي واجبًا اجتماعيًا تجاه رجلٍ تعرفه وتقدّره، بل كنت أذهب بقلب ابنةٍ تستشعر أنها فقدت أبويها؛ أبي الذي غاب جسده، ورجلٍ آخر أحاطني يومًا بمشاعر الأبوة، وقال لي بصدق: «أنتِ بنتي».
كان أبي يحبه، ويعتز به، ويقدّره تقديرًا صادقًا، ولم يستغل يومًا علاقته به لتحقيق مصلحة أو بلوغ غاية. كانت علاقتهما، كما أذكرها وأعتز بها، قائمة على المودة والاحترام والاعتزاز المتبادل؛ وهي من تلك العلاقات التي تزداد قيمتها في الذاكرة كلما ابتعد أصحابها عن أعيننا.
رحل الأستاذ الدكتور عبد المتين موسى، لكن بعض الرجال لا ينتهي حضورهم بانتهاء أعمارهم؛ إذ تبقى سيرتهم ممتدة في ذاكرة من عرفوهم، وتظل مواقفهم الإنسانية شاهدةً على أن الأثر الطيب أبقى من الحضور، وأن الكلمة الصادقة قد تعيش في القلب سنواتٍ طويلة، حتى تأتي لحظة الفقد فتستعيد معناها كاملًا، بكل ما فيه من حنانٍ ووجع.
ولعل أكثر ما يؤلمني اليوم أنني عدت إلى المقابر لا لأزور أبي وحده، وإنما لأقف أمام قبر رجلٍ جمعته بأبي زمالةٌ كانا يعتزان بها، وجمعتني به كلمة أبوةٍ لم أكن أعلم أنني سأستعيدها يومًا بهذا القدر من الشجن.
فما أغرب الأقدار حين تربط بين الأحياء والراحلين بخيوطٍ لا نراها، وما أعمق الحنين حين يصبح الطريق إلى قبرٍ طريقًا آخر إلى الذاكرة، وحين تتحول زيارةٌ لم تكن في الحسبان إلى استعادةٍ لوجوهٍ غابت، وكلماتٍ بقيت، وعلاقاتٍ لا يطويها الموت.
رحم الله أبي، ورحم الأستاذ الدكتور عبد المتين موسى، وأسكنهما فسيح جناته، وجزاهما عن العلم والمودة وحسن العشرة خير الجزاء.
بعض الراحلين لا نودّعهم مرةً واحدة؛ فنحن نودّعهم كلما مررنا بأماكنهم، وكلما استعدنا كلماتهم، وكلما ساقتنا الأقدار إلى قبورهم، لنكتشف أن في القلب من الوفاء ما لا تنهيه المسافات، وأن بعض الدعوات لا نسمعها بآذاننا، وإنما نشعر بها حين يقودنا الحنين إلى حيث يرقد الأحبة.