24/07/2025
1 / 8
بين القومية والوطنية
بقلم: محمد الهادي حارش
عندما نشرت "انطباعا" عن القوميات، ردّ علي واحد من الذين يختفون وراء الأسماء المستعارة، لغرض ما في نفس يعقوب، يسمّي نفسه "كلمة حق"، يتّهمني بالأدلجة والتسيّس، وإن كنت أعرف أنّ الأدلجة إيجابية أحيانا، لكن مع ذلك لا أستخدمها ولا أسيّس، لكن من الشائع عندنا وضع "إيتيكات" لكل من يخالفك الرأي، أمّا عمّا أبداه من ملاحظات، فهي سطحية وأحيانا يُقَوِّلني ما لم أقل!
1. يقول أنّ القومية العربية لم تنشأ لمواجهة القوميات الفرعية في الوطن العربي.
1.1. أوّلا أنا لم أقل جاءت لمواجهة باقي القوميات، ومادام أسميتها أنت "فرعية"، فهذا موقف منك، ولا أدري لما أسميتها "فرعية"، هل تهرّبا من استخدام "الأقليات"، أم إشارة إلى كونها تفرّعت من أمّة ما أو من قومية ما؟ وأحيانا ما أسميته أنت "الفرع" قد يكون هو الأصل.
2.1. ثار العرب ضد سياسة التتريك، طالبوا باستخدام العربية وبالحكم الذاتي، وبعد أن حقّقوا ذلك، ألم تعمل القومية العربية على اختزال واحتواء تلك الأقليات أو القوميات، هل يوجد مثلا اعتراف باللّغة الكردية، كلغة رسمية ولغة تدريس في سوريا مثلا أو العراق، ألم تبق اللّغة الكردية محظورة وممنوعة من التداول الرسمي في المؤسسات الحكومية والمدارس والإعلام، ومنع افتتاح أي مركز تعليمي للغة الكردية، منذ نشأة سوريا الحديثة كمركز الفكر القومي.
3.1. لغة تحرم في ديارها من الاستعمال والتدريس ما هو مصيرها؟ هل تعرف أنّ عدد سكان الأكراد في الشرق الأوسطـ، يتجاوز 35 مليون، هل حرمان هؤلاء وغيرهم من لغات أمّهاتهم، بمنعها من التدريس والتداول في المؤسسات العمومية، هل تسمي ذلك "تسامحا"؟
هل تعرف أنّ في الجزائر المستقلّة في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، كان يمنع تلاميذ المدارس من الكلام بالقبائلية في ساحات المدارس، وهو الأمر نفسه في المؤسسات العمومية؟
هل هذا يدخل ضمن المغالطات والأخطاء العديدة، التي وقعت فيها، بسبب أنّني تعدّيت على قضايا التاريخ المعاصر خارج تخصّصي؟
2. تقول أنّ "القومية العربية" لم تكن السبب الرئيسي في سقوط الدولة العثمانية، ما يعني أنّها كانت ضمن الأسباب غير المباشرة.
2 / 8
1.2. الثورة العربيةالكبرى (1916- 1918)، التي صال فيها "لورنس" وجال، ألم تكن واحدا من تلك الأسباب، التي سهّلت الأمر للإنجليز والفرنسيين، للوصول إلى مبتغاهم في ضرب الخلافة الإسلامية واقتسام الشام بعدها؟
2.2. إذا كان مؤتمر باريس قبيل الحرب العالمية الأولى، كما تقول، يدعو إلى الإصلاح، فإنّنا نعرف ماذا حدث بعد فتح أبواب الشام، لنشاط الغربيين والمبشّرين، الذين عملوا على فصل العرب عن الخلافة الإسلامية، وقد وجدت تلك البعثات التبشيرية، صدى لها في صفوف المسيحيين العرب، الذين طالبوا بترسيم "اللّغة العربية"، ثم عملوا على تشجيع المسلمين، الذين تجمعهم معهم الروابط الأثنية واللّغوية، للوقوف في وجه العثمانيين "الطورانيين"، وهذا بدعم من تلك البعثات، التي تزايدت في لمنطقة.
3.2. كان الرّد بادئ، الأمر فعلا من طرف بعض "الإصلاحيين"، الذين دعوا إلى إصلاح أحوال المسلمين والخلافة الإسلامية أمثال جمال الدين الأفغاني وغيره، لكن الحركات الإصلاحية تلك، لم تجد الدّعم لتجسيدها ميدانيا، بل تعرّضت للمعارضة والمضايقة داخل الأقطار الإسلامية وخارجها، بدعم من الغرب والحركات التبشيرية تلك.
4.2. الشريف حسين (1853- 1951)، فهل هو من قاد "الثورة العربية الكبرى" (1916- 1918)، أليس توماس إدوارد لورنس (1888- 1935)، هو القائد الفعلي، ولا شك ما دمت متخصّصا في التاريخ المعاصر، أنّك تعرف أنّ الأمير فيصل، لم يلعب عند لورنس أكثر من دور الخادم المطيع، ينفّذ طلباته قبل أن تُطلب، كان توماس لورنس يقوده من الأذن –كما يقول المثل عندنا- حتى أنّ والده حاول عزله لولا تدخّل لورنس ذاته، وأنت تعرف أيضا، أنّ هذه الثورة، قامت على وعد من لورنس للعرب بإقامة دولة عربية مستقلة، وتعرف أن الذين نصبوا فيصل ملكا على العراق وعبد اللّه على الأردن هم الإنجليز وتحت حماية ورعاية الإنجليز.
لا شك أنّك تعرف أيضا أنّ لورنس بعد دخوله دمشق، اصطدم بالشقيقين الجزائريين عبد القادر ومحمد سعيد، اللّذين حاولا اغتياله لولا تدخّل نوري شعلان، وقد اتّهم الأخوين الحكومة، التي نصبها لورنس (حكومة شكري باشا الأيوبي ونوري سعيد) بالعمالة للأجانب، وأنّ الهدف منها هو إنهاء الخلافة الإسلامية، ولا شك أيضا أنّك تعرف أنّ هدف لورنس الحقيقي هو طرد الأتراك وفرض هيمنة القوّات الإنجليزية، والتمهيد لمشروع الدولة اليهودية، الذي صاغه هيرتزل (في مؤتمر بازل 1897) ويجسّده وعد بلفور (1917)، ولك أن تقرأ كتاب "أعمدة الحكمة السبعة" للورنس.
3. تقول أنّ القومية العربية، لم تكن حركة عنصرية؟
3 / 8
1.3. الانتماء لقومية ما ليس بحد ذاته عنصرية، لكن ترديد ذلك والافتخار والتعصّب له، يعدّ قمة هرم العنصرية؟
2.3. لماذا يُنظر للدعوة للقومية العربية على أنّها سبيل الوحدة، بينما القومية الكردية أو غيرها من القوميات الأخرى داخل ما تسمّيه الوطن العربي، يعتبر عنصرية وفتنة وانفصال وعداء للإسلام والعروبة، ولما تتجاهل حقيقة أنّ ليس كل سكّان ما تسميه العالم العربي من العرب، ومعروف أنّ كل قومية هي نوع من العصبية.
3.3. ألم تعمل القومية العربية ولاتزال على اختزال واحتواء تلك القوميات، هل يوجد اعتراف رسمي باللّغة الكردية، كلغة رسمية أو لغة تدريس في المدارس الحكومية كما ذكرنا سابقا، ونحن نعرف، أنّه لم تشهد سوريا منذ تاريخ نشأتها أي اعتراف رسمي باللّغة الكردية، بل بقيت محظورة وممنوعة من التداول في المؤسسات الحكومية والمدارس والاعلام، ومنع افتتاح أي مركز تعليمي للغة الكردية أو باقي الأقليات وكذا في العراق وفي الجزائر إلى وقت قريب جدا ومازال.
هل حرمان هؤلاء من لغات أمّهاتهم ومنعها من التداول في المؤسسات العمومية، تسامح، هل يحق لهؤلاء القوميين أن يطالبوا، باللّغة العربية، ويمنعون عن الآخرين لغاتهم؟ ماذا ننتظر أن يتولّد عن هذا القهر، ونتذكّر كلّنا مقولة تشرشل الذي يقول أنّه على استعداد للتحالف مع الشيطان للظفر بما يريد.
4.3. أن يكون بعض دعاة "القومية العربية" من زواوة أو الأوراس –كما تقول- أين الإشكال، فأحمد بن النعمان من زواوة، وهو ينتمي لهؤلاء، وكتب كتابا: "لا عروبة بدون إسلام"، هل تصدّق هذا؟ وعثمان سعدي من الأوراس، ويقول الأمازيغية هي فرع من العربية وأنّ "أرقاز" من "الركيزة"، وأنّ "ثامطوث" من "الطمث"، أليس هذا هراء؟
ذلك شأنهم، فإن كنت لست ضد هذا أو ذاك، فالأولى ألا أتنكّر لأصلي وألّا أكون ضد وجودي.
4. تقول أنّ حركة "التعريب" بعد الاستقلال، لم تكن موجّهة ضد لهجات زواوة!
1.4. تتحدّث وبل تتحدّثون عن زواوة (منطقة القبائل) وكأنّها هي المنطقة الوحيدة المعنية بالأمازيغية، وتتجاهلون باقي مناطق الوطن، وبل كان يتمّ التركيز على هذه المنطقة في إطار سياسة فرّق تسد، التي مارسها الاستعمار بالأمس، وسارت عليها السلطة الوطنية بعد الاستقلال، وكانت تنشر دعايتها في منطقة القبائل أنّ الشاوية معرّبين مغندفين (متخلّفين)، وعكس ذلك، تنشر في الأوراس فكرة "أنّ القبائل لا يدافعون عن الأمازيغية، وإنّما يسعون للإبقاء على الفرنسية وهم ضد لغة القرآن"، في محاولة لعزل منطقة القبائل حتى لا تمتد مطالبها في التنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية إلى مناطق أخرى من
4 / 8
الوطن، هذه السلطة التي حاولت خلق تنافر وعداء بين الأوراس وجرجرة، كقطبين للأمازيغية، لأنّ اللّقاء بينهما يشكّل ثقلا للأمازيغية.
2.4. هل كانت ما تسميها –أنت- لهجات زواوة حتى لا تقول المتغيرات أو اللّهجات الأمازيغية، وأنت تعرف أنّها ليست لهجات زواوة، حتى تحصر الأمازيغية في منطقة زواوة (القبائل)، وتعتبرها مطلب قبائلي فقط في إطار السياسة نفسها، هل وجدت في المدرسة أو الإدارة أو الإعلام، حتى يوجّه التعريب ضدّها، فهي مغيبة، ومازالت تعاني "الغبن"، وأنت "تمعن" في محاولة "تفتيتها وعزلها" عن محيطها الواسع، لكن لتعلم أنّ ارتفاع معدّلات الإلمام بالقراءة والكتابة، التي كانت في المشرق وراء نشر الوعي بـ "القومية العربية"، وأنّ الظروف نفسها من كانت وراء نمو "الوعي" عند الأمازيغ بهويتهم، أينما كانوا سواء في الأوراس أو الونشريس أو عند الزناتيين في توات وتيديكلت وقورارة أو التاورغة في الأهقار والتاسيلي وفي وادي ريغ في جرجرة والبابور وغيرها من مناطق بلادي، التي تنطق مواقعها "أمازيغية" رغم عواقب الدهر.
3.4. تقول أنّ الأمازيغية تعايشت مع العربية منذ القدم، تعايشت طبعا على حساب الأمازيغية، وهو ما تريد استمراره حتى تنقرض الأمازيغية –مثلما انقرضت لغات أخرى في المشرق؟
أنا أسأل بدوري، أين كانت تكتب ومن كان يكتبها، لاشك جهود شخصية، لمتعلّمين في الكتاتيب، كانوا يشعرون باختزالهم في لغة واحدة، وأنّهم سينقرضون، إن لم يفعلوا شيئا، فكتبوا بالحروف، التي تعلّموها في الكتاتيب، ولسانهم الذي تسميه أنت لهجات زواوة –في تصنيف جديد- له حروفه، تعود لحوالي ثلاثة آلاف سنة، وهو عمق تاريخي لنا جميعا، لكن ترفضون ذلك؟!
4.4. تدافعون عن "اللّغة العربية" وتخشون اندثارها، واللّه سبحانه وتعالى يقول في محكم تنزيله: «إنّا نحن نزّلنا الذّكر وإنّا له لحافظون» (سورة الحجر الآية 09)، لكن عندما يتحدّث أو يطالب الأمازيغ بلغتهم وهويّتهم تثار مسألة الإسلام والعروبة، وكأنّ هؤلاء "الأمازيغ" ليسوا مسلمين ولم يخدموا الإسلام ولم يخدموا العربية لقرون خلت، وأنّه لبقاء وسلامة اللّغة العربية، لابد من تنازل هؤلاء الأمازيغ عن لغتهم وعن هويتهم، والله سبحانه وتعالى يقول: «ولو شاء ربّك لجعل النّاس جميعا أمّة واحدة ولايزالون مختلفين» (سورة هود الآية 118)، لكن تدعون للإسلام وتسيرون ضد آيات اللّه في خلقه.
5. تتهمني بالتحامل الدائم على جمال عبد الناصر وأحمد بن بلة، وتفسّر ذلك بسخطي ومعادتي للتوجّه القومي للزعيمين.
1.5. أنا لا أتحامل على جمال عبد الناصر ولما أتحامل عليه أو على غيره، وأن تقول أنّ جمال قدّم دعما دبلوماسيا وإعلاميا للثورة الجزائرية، فلا ننكر له ذلك، مثلما لا ننكر ذلك للكثير من الدول العربية والإسلامية وغيرها من الشعوب المحبة للسلام، لكن الدعم المالي والعسكري، فهذا شيء آخر، فحتى
5 / 8
بعد استقلال الجزائر، كانت هناك أسلحة جزائرية في مصر لم تستلمها الجزائر، اتّضح فيما بعد أنّ السيد أحمد بن بلة قد تبرّع بها لمصر، دون الحديث عن الأسلحة، التي كانت تستبدل بأسلحة قديمة، أمّا الدعم المالي، فنحن نعرف ظروف مصر الاقتصادية خاصة بعد تأميم القناة، فلا لوم عليها.
2.5. أمّا بخصوص العدوان الثلاثي، فأسبابه الرئيسية، قبل دعم الثورة الذي وضع في الواجهة، تكمن في تأميم مصر لقناة السويس (26 يوليو 1956) مما حرم إنجلترا وفرنسا من الأرباح، التي تجنيانها من القناة.
هذا التأميم، الذي جاء كرد فعل من مصر على سحب عرض من بريطانيا وأمريكا لتمويل بناء "السد العالي" في أسوان، والذي كان كرد فعل أيضا من الدولتين على اعتراف مصر بجمهورية الصين الشعبية من جهة وعقد مصر اتفاقية تسليح مع الاتحاد السوفياتي من جهة أخرى، في عز أيام الحرب الباردة، وإلّا كيف نفسّر ارجاء العدوان على مصر حتى يوليو 1956 (تاريخ التأميم) والثورة الجزائرية، اندلعت في نوفمبر 1954، ومع ذلك لا ننكر له ذلك الجميل، لكن ليس لدرجة الادّعاء أنّ جمال عبد الناصر هو من أعطى "الضوء الأخضر" لبن بلة ليتوكّل على اللّه، هذا الأخير، الذي أخبره بواسطة فتحي الديب، بالاستعدادات الجارية في الجزائر لتفجير الثورة في الخامس عشر (15) من أكتوبر، فانتشر الخبر في كواليس الدولة المصرية على أنّ جمال عبد الناصر سيفجّر الثورة في الجزائر في التاريخ المذكور، ما اضطر بوضياف أو آيت أحمد للاتصال بقادة الداخل لتغيير التاريخ لأن فرنسا كانت في انتظارهم (مادام التاريخ أصبح معلوما) من ناحية وسحب البساط من تحت أرجل "جمال" ، الذي يدّعي أنّه سيفجّر الثورة في الجزائر! ويلغي بذلك كل دور لنا في التخطيط للثورة منذ سنوات وحتى قبل وصول "جمال" إلى السلطة في مصر.
6. تتساءل متى يفهم المتحاملون على فكرة العروبة والقومية العربية، أنّ كل الهويات الفرعية، قد نشأت بدعم وتوجيه من الخارج وأنّ المستهدف الرئيسي هو العربية والإسلام.
1.6. طبعا هذا قياسا على نشأة الهوية والقومية العربية بدعم من بريطانيا خاصة، ألم تنشأ القومية العربية في أحضان الإنجليز، ألم تكن القومية العربية بدعم من بريطانيا وفرنسا خاصة وغيرها من الدول الغربية، ضد الطورانية وضد الإسلام، ولم تكن ضد العربية كما تدّعي أنت، وهي شجّعت ودعمت العرب لضرب الخلافة الإسلامية.
أتريد اسقاط تعاونكم مع الإنجليز والفرنسيين والحركات التبشرية... علينا، ونحن لم نفعل ذلك ولن نفعل حفاظا على هذا الوطن.
6 / 8
2.6. إذا كنّا نعرف أنّ الاستعمار والغرب عموما يترصّدنا، ويستغل هذه الحزازات، ماذا فعلنا، لنقطع الطريق أمامه؟ أيكون ذلك بمزيد من السب والشتم والانكار، حتى أنّ واحدا قال أنّنا صنيعة صهيو-فرنسية، أهكذا ندعم اللّحمة الوطنية، ألا يعلم أنّ القومية والصهيونية هي فعل إنجليزي؟
3.6. تتحدّث عن "القومية" كحركة تحرير وتضامن، كما تتحدّث عن الهويات الفرعية؟
1.3.6. أين نحن من الوحدة؟ أتحلم أنت الآن بوحدة، تتحمّل فيها العربية السعودية أو الإمارات وغيرها من دول الخليج مشاكل سوريا أو العراق أو الصومال وأريتريا، وهي تعيش ما تعيش والفائض من أموالها، يذهب لمن هو قادر على حمايتها؟
أصحى يا نايم...، هذه الخيبة، هي التي دفعتني للدعوة للكف عن الجري وراء السراب، والعمل على حل مشاكلنا، التي ليست بالضرورة هي حلول الآخر.
2.3.6. من كان وراء "القومية العربية" ولماذا وما مصير ما تسميه أنت الهويات الفرعية، ومن قال لك أنّها فرعية، هل أنت الأصل ونحن الفرع؟
7. تسألني، لماذا لا أتعلّم من الشيخ بن باديس، وتتساءل إن كنت أنا أكثر قدرة على فهم التوجّه الحضاري للقومية العربية من روّاد الفكر الإسلامي؟
1.7. هذا سؤال غريب منك، ألم يكن الكثير من هؤلاء الروّاد –كما تسمّيهم- من الذين لا يؤمنون بفكرة استقلال الجزائر، ألم يقل واحد منهم أنّ الجزائر بدون فرنسا كالطائر بدون ريش ولا جناحين، ألم يكن الكثير منهم يتبرّأ من الثورة، وأنّ واحدا منهم رفض حتى قراءة بيان أوّل نوفمبر في إذاعة "صوت العرب" بالقاهرة؟
أكان للجزائر أن تستقل وتسترجع سيادتها لو سرنا على درب هؤلاء، أتريدني أن أتّبع نهج هؤلاء، كانت فرنسا فساروا على نهجها وجاءت القومية فاعتنقوها.
2.7. هل فهموا وضع الجزائر حتى يفهموا التوجّه القومي للعروبة، هل كان لهم أن يتركوا درب الإسلام ويسيروا في دروب القوميات واللّه سبحانه وتعالى يقول في محكم تنزيله: «وإنّ هذه أمّتكم أمّة واحدة وأنا ربّكم فاتقون» (سورة المؤمنون، الآية 52)، أي هذه أمّتكم "أمّة الإسلام" مادامت أمّة واحدة واجتمعت على التوحيد، فإذا تفرّقتم وخالفتم، فليس من خالف الحق من حملة أصل الدين الحق، فلو شاء ربّك لخلقنا أمّة واحدة بلسان واحد ولون واحد، فهذه آية من آياته.
3.7. تراني أكتب بالعربية، مثلما يفعل الكثير من الأمازيغ والقليل من الذين يظهرون النفور منها، لا لذاتها، وإنّما كرد فعل لمعاداة الأمازيغية من طرف الكثيرين إن لم أقل أغلب الناطقين بالعربية، وشعورا أيضا منهم أنّ الدولة، لا تفعل شيئا للحفاظ عليها من الاندثار، وكل من فقد لغته فقد وجوده.
7 / 8
4.7. هذا ما لا يريد الكثير منكم أيضا فهمه، فكل من دافع عن الأمازيغية والتراث الأمازيغي، مهما كانت نواياه، فهو عميل، فهو انفصالي رجعي وتسقط السماء، وكأنّه لا حق له في لغته وتراثه، ويبقى الوطني "الحقيقي" هو من يتنكّر لأصله وينسلخ من ذاته، فنحن أيضا لنا الحق في لغة أجدادنا، مثلما لك الحق في لغة أمّك، إن كانت لغة أمّك؟
8. يؤسفني حكمك علي بالعنصري المتطرّف، لا لشيء إلّا لأنني أدافع عن هويّتي مثلما تدافع أنت عن هوّيتك إن كانت هويتك، التي تدعو لها، دون أن تدرك أنّ الخط، الذي تسير فيه، بتنكّرك لوجودي وهويتي وثقافتي، هو ما يشكّل الخطر وليس أنا، لأنّني لا أتنكّر لك ولهويتك، إن كانت لك هوية غير هويتي، وأنت على ما يبدو من أصحاب الحساسية الكبرى من الأمازيغ والأمازيغية –وربما- من الذين عاصروا فترة منع الكلام بها حتى في ساحات المدارس وفي المؤسسات العمومية، ومازال يراودك الحنين لتلك الفترة، التي يدخل فيها الإنسان السجن لا لشيء، إلّا لأنّه نطق بكلمة "أمازيغية"، ذلك هو العصر الذهبي لك، فالخوف على الجزائر، لا يأتي منّا نحن، وإنّما من الاقصائيين الاختزاليين، أمّا نحن فنؤمن بالتعايش مع الآخر، ولا نتّهم الناس بما ليس فيهم، ، لم يسبق لي أن تعاملت مع أي جزائري إلّا كجزائري من أي منطقة كان، وأن كل منطقة في الجزائر لها خصوصية عندي، تجعلها أقرب إلى قلبي، إذا لم يكن لك هذا الإحساس تجاه كل الجزائريين، راجع نفسك.
1.8. تطلب مني أن أتعلّم من الأمازيغي الوحدوي الأصيل "الشيخ عبد الحميد بن باديس"، وتجعل منه وحدويا عربيا وأنّه كتب مقالا رائعا بعنوان "محمّد ﷺ رسول القومية العربية"، غريب أن يخالف بن باديس الآية الكريمة: «وما أرسلناك إلّا رحمة للعالمين» (سورة الأنبياء، الآية 107) ما يعني أنّ الله تعالى لم يرسل النّبي محمّد ﷺ إلّا ليكون رحمة للعاملين جميعا وليس لقوم معنيين؟!
2.8. أنا أكتب على "الهوية الوطنية" وتتهمني بالعنصرية المتطرفة، وأنّني أشكّل تهديدا للسلم الاجتماعي واللّحمة الوطنية، غريب أنا أدعو للوطنية وتتهمني بالعنصرية وأنت تدعو للقومية، أي لقوم معينين مع ابعاد الأقوام الأخرى، وتعتبر نفسك وطني وأكثر وطنية مني، تحلّل لنفسك ما تحرّم لغيرك، تحلّل لنفسك الدعوة لقوميتك وتريد اختزالي في غيري، وتحرّم علي لدعوة لوطنيتي، وتتهمني بالعنصرية، أين تكمن العنصرية في الوطنية أم القومية، أنت تدعو لقوم، وأنا أدعو "للوطن"؟
3.8. اسمي ومسكني أوقّع بهما كل مقالاتي وكتبي، وصورتي على البروفايل، وكل ما في قلبي على لساني، وتتهمني بتشكيل خطر على الوطن، وأنت تختفي وراء اسم مستعار ولا تشكّل خطرا!
لماذا تنتحل اسما مستعارا، مما تخاف، لك مصالح تخفيها، تخاف من الحقيقة، أم أنّك من دعاة الفتنة، تخشى المتابعة أم تعمل لمصالح معينة، لا يا حبيبي لا تخف مني أنا على الوطن، الوطن وطني ولن
8 / 8
أفرّط فيه، لكن الخوف كل الخوف من الذين يضعون رجلا في الشام وأخرى في اليمن، ويتنكّرون لأصالتهم في هذا الوطن، نحن لا وطن لنا غير هذا الوطن.
محمد الهادي حارش
عين البنيان -الجزائر في: 26-06-2025