Yassine Larouci

Yassine Larouci جيد

14/01/2022
🎤*خطــبــة جــيــدة بعـنـــوان :*  *الابتلاء.حكم.وفوائد.ee*الخطبة الأولى الحمد لله رب العالمين، له الأمر والتدبير، والحك...
07/01/2022

🎤
*خطــبــة جــيــدة بعـنـــوان :*
*الابتلاء.حكم.وفوائد.ee*
الخطبة الأولى
الحمد لله رب العالمين، له الأمر والتدبير، والحكمة والتبديل، يبلوا العباد بما شاء من أمره ليعلم الصادق من الكاذب، والمؤمن من المنافق، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له القائل في كتابه [الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا] (الملك)، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً، أما بعد:
فاتقوا الله عباد الله:واعلموا أن التقوى خير زاد للقاء الله، وهي الحصن الحصين من الوقوع في الشبهات والشهوات، وهي سلاح المؤمن عند تعرضه للفتنة والبلاء، قال تعالى:[وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ)(البقرة).
*عباد الله إنّ مَن تأمَّل بعين العِبرة والبصيرة، في حال الناس هذه الأيّام، وما هم فيه من امتحانات ومحنةٍ، وكلهم ينتظر انفراجَ هذه الأيام وانتهائها، إنّ من تأمّل ذلك علم أنّ هذه الدنيا لا يستقرُّ حالها على سعةٍ ورخاءٍ دائم وإنّما هي ابتلاءٌ وامتحان، وفرجٌ وشدةٌ، وكلُّ إنسان في هذه الدنيا تمرُّ به محنٌ وبلايا ومصائبُ ورزايا، بينما هو في رخاءٍ إذ نزلت به شدّةٌ، وبينما هو في عافيةٍ وسعةٍ إذ فَجَأهُ مرضٌ وسُقم أو لعله كان في سعةِ رزقٍ ورخاء ثم يُبتلى بفقرٍ مُدقع أو دَينٍ مُضلِع. آلامٌ تضيق بها النفوس ومزعِجاتٌ تورث الخوف والجوع
كم ترون من مبتلى يشكو مرضَه! وأبٍ يلوم عقوقَ ولدِه! وأمٍ ثكلى تبكي فقيدَها! كم ترون ممّن بارَت تجارتُه وكسَدَت صِناعتُه! وآخرَ قد ضاعَ جُهده ولم يُدرك مَرامَه! تلك هي الدنيا تُضحكُ وتُبكي، وتُشتّتُ وتَجمع. إنها دار غرور لمن اغترَّ بها، وهي عبرة لمنِ اعتبَرَ بها، وهي دار صدق لمن صدَق فيهَا: (لِكَيْلَا تَأْسَوا عَلى مَا فَاتَكُم وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُم واللهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ) [الحديد: 23].
*والمؤمن مهما أظلمَ عليه ليلُ الكروب بالأمراضِ والأحزانِ.. إلّا أنه لا ييأس من فجرٍ يبدد الله به كرباتِه وأحزانهِ؛ كما قال سبحانه: (فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا) [الشرح:5- وقال: (سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا) [الطلاق: 7]، وقال -عز وجل-: (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا) [الطلاق: 4].
كم من محنةٍ في طيِّها منحةٌ! ها هو يعقوب -عليه السلام- يفقد ولده الأول فيقول: (فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ) [يوسف: 18]، فلما ترقب الفرج غُيِّب عنه ولده الثاني، فقال: (فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ) [يوسف: 83]، ثم أنزل همه وكربه بربه جلَّ وعلا فقال: (إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ) [يوسف: 86]، الله أكبر.. يقين أرسى من الجبال، وعلمٌ بالله لا يخالطه شك أو جدال.
فالمؤمن الواثق مهما نزلت به الأمراض.. أو ابتُلِيَ بفقد الأحباب.. أو حُرِمَ من المال والولد.. أو تكاثرت عليه مشاكل ومصائب في وظيفة أو تجارة أو غير ذلك.. لا يفقد صفاء العقيدة ونور الإيمان، أما الإنسان الجَزُوع فإنه إذا نزلت به المصائب ضاقت عليه مسالك الفَرَج، بل ضاقت عليه الأرض بما رحبت، فييأس، فإذا يئس زاد مرضُه مرضاً وهمُّه هماً..
*ومن حكمة الله تعالى أنه لا يبتلي عباده المؤمنين بابتلاءات لا يتحملونها، بل يبتليهم ببلاء يتناسب مع إيمانهم، ففي سنن ابن ماجه : (يُبْتَلَى الْعَبْدُ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ فَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ صُلْبًا اشْتَدَّ بَلاَؤُهُ وَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ رِقَّةٌ ابْتُلِىَ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ) ،
فهذا إبراهيم عليه السلام ابتلي من قومه بالمشقة والعنت، وردوا دعوة التوحيد، بل أرادوا قتله شر قتلة بحرقه بالنار، ولكن الله تعالى حفظه وتولاه، وأخرجه بإذنه سليماً معافىً، وذلك لصبره على أذى قومه، وثباته على الحق الذي أرسل به، فمكَّنه الله تعالى بعد ابتلاء ومحن، وقد ابتلاه ربه في ذبح ابنه إسماعيل، فصدق بوعده، ووفى مع ربه، وعاونه ولده البار، فنال أعلى الدرجات، ورفع ذكره، فما زال اسمه يذكر في كتاب الله تعالى حتى تقوم الساعة ـ عليه الصلاة والسلام ـ.
وهذا موسى ـ عليه الصلاة والسلام ـ قد تعرض للبلاء منذ طفولته بوضعه في التابوت، ورميه في اليم، وأخذ الأعداء له، وإخراجه من بلده، وإرادة فرعون قتله، فثبت على طريقه ولم يهتز لما يتعرض له من قبل أعدائه، فأراه الله تعالى من آياته ومعجزاته، وأغرق أعداءه أمام عينه، وأنجاه بفضله ورحمته، وأعزه ونصره بعد أن كان مطارداً خائفاً، وهكذا سنة الله تعالى مع أنبيائه ورسله.
وهذا يونس يلتقمه الحوت وييقى فيه مدة حتى أنجاه الله. وهذا أيوب يبتلى بالمرض ويصيبه الضر ثم يكشف الله بلواه ويشفيه من مرضه.
وهذا نبينا محمد صلى الله عليه وسلم عندما أرسله الله تعالى لقومه ليخرجهم من الظلمات إلى النور، ومن الضلال إلى الهدى، ومن الباطل إلى الحق، ولكنهم عتوا وتجبروا واستكبروا عن قبول الحق، فوقفوا له بالمرصاد يريدون أن يتخلصوا منه ومن دعوته، فآذوه، وأدموه، وضربوه، وألقوا على ظهره سلى الجزور، فصبر وصابر، واعتمد على ربه في نصرته، ولازم دعوة قومه، حتى عرضوا عليه أن يعلوا من شأنه بينهم، أو يعطوه من أموالهم ما شاء، وغير ذلك من العروض المغرية، ولكنه أبى، ولزم صراط ربه. فنصره وأكرمه ورفع ذكره
قال ابن القيم رحمه الله وهو يصف حال هذا الطريق، طريق الاختبارات والابتلاءات وصولًا إلى المنازل العليا مع الله وهو يصف حال الأنبياء قال: يا ضعيف العزم اين انت والطريق طريقٌ تعِب فيه آدم، وناح لأجله نوح، ورُمي في النار الخليل وبيع يوسف بثمن بخس ولبث في السجن بضع سنين ونشر بالمنشار زكريا وذبح السيد الحصور يحيى وقاسا الضر أيوب الى آخر كلامه رحمه الله))،
*عباد الله إن الابتلاء سنة كونية ،وحكمة ربانية ، وكما أنها من مقتضيات الألوهية ،فإن الصبر عليها من مقتضيات العبودية،. وقد يُبتلى العبد بالسراء تارة ،وبالضراء أخرى ،فلا السراء علامة على رضا الله ،ولا الضراء كذلك ، قال الله تعالى: (فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (15) وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ (16) كَلَّا.. ) الفجر 15: 17
ولكن للابتلاء حكم عظيمة ، ومقاصد جليلة ، ومنها
أولا: منزلتك عند الله مرتبطة بحجم البلاء، فكلما زادت المنزلة، زاد البلاء فإذا زاد بلاؤك فاعلم أنها زيادة لك في المنزلة عند الله؛ ورفعا للدرجات في جنات النعيم قال صلى الله عليه وسلم: "إنَّ الرجلَ ليكونُ له عند اللهِ المنزلةَ فما يبلُغُها بعملٍ، فما يزالُ اللهُ يبتليهِ بما يكرَهُ حتى يُبلِغُه إياها"؛ صححه الألباني. أعماله لا ترقِّيه إلى تلك المنزلة، فيبتليه الله بمرض بفقر بمصيبة، حتى يرفعه إلى تلك المنزلة. فإذا أصابت المسلم المستقيم على دينه ،الصابر على بلاء ربه، فهو امتحان واختبار ، لتكفير ذنبه ،ورفعة درجته، وهي ليست دليلاً على غضب الله عليه، بل هي دليل حب الله إياه، ففي الصحيحين : (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – « مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُصِبْ مِنْهُ » قال صلى الله عليه وسلم: "إنَّ عِظمَ الجزاءِ مع عِظمِ البلاءِ، وإنَّ اللهَ إذا أحبَّ قومًا ابتَلاهم، فمَن رَضي فله الرِّضَا، ومَن سخِط فله السَّخطُ"؛ حسنه الألباني.
ثانيا: كل بلاء في هذه الدنيا هو استكمال طهارة من ذنوب وخطايا وسيئات، شعر بها الإنسان أو لم يشعر؛ قال صلى الله عليه وسلم: "ما يَزالُ البلاءُ بالمؤمِنِ والمؤمنةِ، في نفسِهِ وولدِهِ ومالِهِ، حتى يلْقَى اللهَ وما عليْهِ خطيئةٌ"؛ صححه الألباني؛ هذه كفارات يرفعك الله بها عنده جل في علاه.
ثالثا: بلاء هذه الدنيا تخفيف من بلاء الآخرة، فلو أنَّ الإنسان أصيب بمرض، أو ادلهمَّت عليه مصيبة، أو اشتد عليه كرب في الدنيا، فليحمد الله، فإنما هو تخفيف مما يكون في الآخرة، قال صلى الله عليه وسلم: "يَودُّ أهلُ العافيةِ يومَ القيامةِ - أهل العافية هم الذين كانوا في الدنيا قليلي الابتلاءات - يَودُّ أهلُ العافيةِ يومَ القيامةِ، حين يُعطى أهلُ البلاءِ الثوابَ، لو أنَّ جلودَهم كانت قُرِضَتْ بالمقاريضِ"؛ حسنه الألباني، لِما يرون ثواب الله لأولئك والمنازل العظمى، يتمنى الواحد أن يُعاد إلى الدنيا؛ ليُبتلى مثل بلائهم، وأكثر من شدة ما يرون من عطاء الله لهم.
*ومن فوائد الابتلاء وحكمته أن الابتلاء وسيلة للتمكين في الأرض: فليس خياراً أن نُبتلى أو لا نُبتلى، الخيار أن نصبِر أو لا نصبِر، أن نشكُر أو لا نشكُر قيل للشافعي رحمه اللّه يا أبا عبد اللّه، أيهما أفضل للرجل أن يمكّن أو يبتلى؟ ، فقال الشافعي : “لا يمكّن حتى يبتلى، فإنّ اللّه تعالى ابتلى نوحًا وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمدًا صلوات اللّه عليهم أجمعين فلما صبروا (على الابتلاء) مكّنهم” ،فلن يمكن المسلمون في الأرض إلا بعد أن يبتلوا ، ليميز الله الخبيث من الطيب ، والصادق من الكاذب
*ومن فوائد البلاء وحكمته : أن في الابتلاء تحقيقا لعبودية العبد لله رب العالمين فإن كثيراً من الناس هو عبدٌ لهواه ، وليس عبداً لله ، فهو يقول أنه عبد لله ، ولكنه إذا ابتلي نكص على عقبيه ، فخسر الدنيا والآخرة, قال الله تعالى : ( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ ) الحج/11 .
*ومن فوائد البلاء وحكمته : أن البلاء درسٌ من دروس التوحيد والإيمان والتوكل فهو يطلعك عمليّاً على حقيقة نفسك لتعلم أنك عبد ضعيف ،لا حول لك ولا قوة إلا بربك ، فتتوكل عليه حق التوكل ،وتلجأ إليه حق اللجوء ،حينها يسقط الجاه والتيه والخيلاء ،والعجب والغرور والغفلة ،وتفهم أنك مسكين يلوذ بمولاه ، وضعيف يلجأ إلى القوي العزيز سبحانه ،
*ومن فوائد الابتلاء وحكمته : أن في الابتلاء إظهارا لحقائق الناس ومعادنهم . فهناك ناس لا يعرف فضلهم إلا في المحن . قال الفضيل بن عياض : ” الناس ما داموا في عافية مستورون ، فإذا نزل بهم بلاء صاروا إلى حقائقهم ؛ فصار المؤمن إلى إيمانه ، وصار المنافق إلى نفاقه ” ، ورَوَى الْبَيْهَقِيُّ فِي “الدَّلائِل” عَنْ أَبِي سَلَمَة قَالَ : اُفْتُتِنَ نَاس كَثِير – يَعْنِي عَقِب الإِسْرَاء – فَجَاءَ نَاس إِلَى أَبِي بَكْر فَذَكَرُوا لَهُ فَقَالَ : أَشْهَد أَنَّهُ صَادِق . فَقَالُوا : وَتُصَدِّقهُ بِأَنَّهُ أَتَى الشَّام فِي لَيْلَة وَاحِدَة ثُمَّ رَجَعَ إِلَى مَكَّة ؟ قَالَ نَعَمْ , إِنِّي أُصَدِّقهُ بِأَبْعَد مِنْ ذَلِكَ , أُصَدِّقهُ بِخَبَرِ السَّمَاء , قَالَ : فَسُمِّيَ بِذَلِكَ الصِّدِّيق .
*ومن فوائد الابتلاء وحكمته : أن الابتلاء يكشف لك حقيقة الدنيا وزيفها وأنها متاع الغرور ، وأن الحياة الصحيحة الكاملة وراء هذه الدنيا ، في حياة لا مرض فيها ولا تعب ، قال الله تعالى : ( وَإِن الدارَ الآخِرَةَ لَهِىَ الحَيَوَانُ لَو كَانُوا يَعلَمُونَ ) العنكبوت/64 ، أما هذه الدنيا فنكد وتعب وهمٌّ ، قال الله تعالى: (لَقَد خَلَقنَا الإِنسانَ في كَبَدٍ ) البلد/4
قلت ما سمعتم واستغفر الله لي ولكم فاستغفروه إنه غافر الذنوب والخطيئات
*الخطبـــة.الثانيـــة.cc*
الحمد لله العلي العظيم، الذي لا يُغلَب ولا يقُهَر وأشهدُ أن لا إله إلاَّ الله وحده لا شريك له، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبده ورسوله، صلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحبه أجمعين.
*ومن فوائد الابتلاء وحكمته : أن الابتلاء يذكرك بفضل نعمة الله عليك ، فالمرض يذكرك بالصحة والعافية ، والفقر يذكرك بالغنى ، وهكذا ، فإنَّ هذه المصيبة تشرح لك بأبلغ بيان معنى الصحة والعافية والغنى التي كنت تمتعت بهما سنين طويلة ، ولم تتذوق حلاوتهما ، ولم تقدِّرهما حق قدرهما فالمصائب تذكرك بالمنعِم والنعم ، فتكون سبباً في شكر الله سبحانه على نعمته وحمده
*ومن فوائد الابتلاء وحكمته أن الابتلاء يجعل المؤمن يشتاق إلى الجنة، فلن تشتاق إلى الجنة إلا إذا ذقت مرارة الدنيا , فكيف تشتاق للجنة وأنت هانئ في الدنيا ؟، وفي صحيح مسلم : (عَنِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ « يُنَادِى مُنَادٍ إِنَّ لَكُمْ أَنْ تَصِحُّوا فَلاَ تَسْقَمُوا أَبَدًا وَإِنَّ لَكُمْ أَنْ تَحْيَوْا فَلاَ تَمُوتُوا أَبَدًا وَإِنَّ لَكُمْ أَنْ تَشِبُّوا فَلاَ تَهْرَمُوا أَبَدًا وَإِنَّ لَكُمْ أَنْ تَنْعَمُوا فَلاَ تَبْتَئِسُوا أَبَدًا ».
*ومن فوائد الابتلاء من خلال الفتن والابتلاءات يُظهر الله للناس آياته ويبين لعباده عاقبة الظلم والظالمين ويستخلف من بعدهم عباداً صالحين، أين فرعون، أين قارون، أين هامان؟ أين من دوّخوا الدنيا بسطوتهم؟ أين من كانوا ينحِتون من الجبال بيوتاً؟ أين الذين كانوا يقولون مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً؟ لم يكن فوق عادٍ في زمنهم إلا الله، فقالوا: (مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً) فخاطبهم الله تعالى: (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً) أين هؤلاء؟ وأين التابعون لهم؟ وأين من كانوا ذا عزٍّ وسلطان؟، الله تعالى من خلال الامتحان يبين عاقبة الظالمين ويستخلف عباده المؤمنين.
*عباد الله ونحن لا نتمنى البلاء ، بل نسأل الله العافية ففي سنن الترمذي:« سَلُوا اللَّهَ الْعَفْوَ وَالْعَافِيَةَ فَإِنَّ أَحَدًا لَمْ يُعْطَ بَعْدَ الْيَقِينِ خَيْرًا مِنَ الْعَافِيَةِ » ولكن إذا أصيب أحدنا بالبلاء ولابد له من ذلك ، فليصبر وليحتسب إن ابتلي بما يكره ، وليشكر الله تعالى إن ابتلي بما يحب ، أما عن الأمور التي تخفف البلاء على المبتلى ،وتسكن الحزن ،وترفع الهم وتربط على القلب :
أولا: الدعاء: ، إنَّ النبي صلى الله عليه وسلم علَّمنا أن نرفع أكفَّ الضراعة إلى الله جل في علاه وندعو بأن يلزم قلوبنا اليقين: "ومِنَ اليقينِ ما تُهَوِّنُ بِهِ علَيْنَا مصائِبَ الدُّنيا"؛ حسنه الألباني، وهو الذي علَّمنا أن نقول: "اللَّهمَّ إنِّي أسألُكَ الرِّضا بعدَ القضاءِ .."؛ صححه الألباني. فالدعاء سبب لدفع البلاء، وفي مسند أحمد : (عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- « لَنْ يَنْفَعَ حَذَرٌ مِنْ قَدَرٍ وَلَكِنَّ الدُّعَاءَ يَنْفَعُ مِمَّا نَزَلَ وَمِمَّا لَمْ يَنْزِلْ فَعَلَيْكُمْ بِالدُّعَاءِ عِبَادَ اللَّهِ ».
يا صاحبَ الهمِّ إنَّ الهمَّ مُنْفَرِجٌ *** أَبْشِرْ بخيرٍ فــــــإنَّ الفارجَ اللهُ اليـــأسُ يَقْطَعُ أحيانًا بصاحِبِهِ *** لا تَيْئَسَنَّ فــــــــــإنَّ الكافيَ اللهُ اللهُ يُحْدِثُ بعـــدَ العُسرِ مَيْسَرَةً *** لا تَجْزَعَنَّ فـــــــإنَّ القاسمَ اللهُ إذا بُلِيتَ فثقْ باللهِ، وارْضَ بهِ *** إنَّ الذي يَكْشِفُ البَلْوَى هو اللهُ واللهِ مَا لَـــكَ غيرُ اللهِ مِن أحدٍ *** فحَسْبُك اللهُ في كــــــــلٍّ لكَ اللهُ
*ومن الأمور التي تخفف البلاء على المبتلى: الصدقة : ففي سنن الترمذي : (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- « إِنَّ الصَّدَقَةَ لَتُطْفِئُ غَضَبَ الرَّبِّ وَتَدْفَعُ مِيتَةَ السُّوءِ ». ” وفى الأثر “داووا مرضاكم بالصدقة”
*ومن الأمور التي تخفف البلاء على المبتلى : تلاوة القرآن: قال الله تعالى : (وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ) الاسراء 82،
*ومن الأمور التي تخفف البلاء على المبتلى الدعاء المأثور: (إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ) قال الله تعالى : (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (155) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (156) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ) البقرة
فما استرجع أحد في مصيبة إلا أخلفه الله خيرا منها.
*ومن الأمور التي تخفف البلاء على المبتلى : الصلاة: (قَالَ حُذَيْفَةُ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- إِذَا حَزَبَهُ أَمْرٌ صَلَّى) رواه أحمد. وفيه: (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- كَانَ إِذَا حَزَبَهُ أَمْرٌ قَالَ « لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ الْكَرِيمِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ الْعَظِيمُ الْحَلِيمُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَرَبُّ الأَرْضِ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَرَبُّ الأَرْضِ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ »

الـشـبـكـة الـدعـــويــة الـرائـــدة المتخصصة بالخطـب والمحاضرات 🌧 سـاهـم بالنشـر تؤجـر بـإذن اللـّـه •~•~•~•~•~•~•~•~•~•~•~•~• للتواصل مع إدارة القناة إضغط ....

08/12/2021

وما بكم من نعمة فمن الله

الخطبة الأولى:
الحمد لله، الذي خلَق فسوَّى، وقدَّر فهدى، أحمدُه سبحانه وأشكره على نِعَمِه التي لا تُحصى، وأشهد ألَّا إلهَ إلَّا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، العليُّ الأعلى، وأشهد أنَّ نبِيَّنا محمدًا عبدُه ورسولُه، الذي لا ينطق عن الهوى، إِنْ هو إلا وحيٌ يُوحَى، صلى الله عليه وعلى آلِه وأزواجه وصحبِه، السائرينَ على دربِ الفَلَاح والهدى. أما بعدُ: فأوصيكم ونفسي بتقوى الله...

عباد الله: إن نِعَم اللهِ الظاهرة والباطنةَ على عباده كثيرةٌ لا تُحصى، وكثرةٌ كاثرةٌ لا تُستقصى، قال تعالى: (وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ)[إبراهيم: 34].

والله المنفرد بالعطاء والإحسان، قال تعالى: (وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللّهِ)[النحل: 53] أخبر سبحانه أنه مالك النفع والضر، وأن ما بالعبد من رزق ونعمة وعافية ونصر، فمن فضله عليه وإحسانه إليه، فكلُّ خيرٍ يحوزه العباد هو إنعامٌ من الله عليهم، مِنْ هداية وإيمانٍ، وعلم ورزق وذريةٍ، بل حصولُ المنافعِ ودفعُ المضارِّ كل من عند الله.

والتأمُّل في نفسك وفيمن حولك يقودك إلى استشعار نِعَم الله عليك: (فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ إِلَى طَعَامِهِ)[عبس: 24]، (فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ)[الطارق: 5]، (وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ)[الذاريات: 21]، قال قتادة: "من تفكر في خلق نفسه عرف أنه إنما خلق ولينت مفاصله للعبادة".

وإذا امتلأ قلبُ العبدِ بالإيمان تحقَّقَت له نعمةُ شكرِ النعمِ، وصَلُحَت تصرفاتُه، وزكَت أخلاقُه: (وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُوْلَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ * فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ)[الحجرات: 7-8].

ومن مقتضياتِ تذكُّر نِعَم الله: الاعترافُ بها، ونسبتُها للواهب المنعم وهو الله -تعالى-، والثناء بها عليه: (قَالَ هَذَا مِن فَضْلِ رَبِّي)[النمل: 40]، وقال صلى الله عليه وسلم: "مطرنا بفضل الله ورحمته".

الاعترافُ بالنعم مفتاحُ كلِّ خيرٍ، ويجعلُ لسانَ المسلم يلهَج على مدار يومه وليلته بالحمد لله ربِّ العالمينَ، ويستعمل هذه النعمَ في تحقيق مرضاة الله -تعالى-، فهذا نبيُّ الله سليمان -عليه السلام- يدعو ربَّه: (رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ)[النمل: 19].

وهذا كليم الله موسى -عليه السلام- يعاهِدُ ربَّه: (قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِّلْمُجْرِمِينَ)

وإذا أقرَّ المسلمُ بنعم اللهِ أظهَر هذه النعمَ، تعظيمًا للمنعِم، شاكرًا حامدًا لا مُفاخِرًا ولا متكَبِّرًا: (وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ)

وأمَّا مَنِ اغتَرَّ بنفسه وأُعجب بما وهَبَه اللهُ مِنَ النعمِ فنَسَبَها إلى نفسه فإن النعمة في حقه نقمة، والخير شر، والعافية بلاء، ففرعون قال: (أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي)[الزخرف: 51]، وكذلك قال قارون: (قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي)[القصص: 78].

وأعظمُ الشكرِ المبادَرةُ إلى العبادة: (بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُن مِّنْ الشَّاكِرِينَ)[الزمر: 66]، والعبد مهما اجتهد، فلن يحيط أداءَ حقّ شكرِ النعمِ وحسبُه السعيُ إلى بلوغ مرضاة الله.

ومن أسباب دوامِ النعم: دعاء الله ليُبقِيَها، قال صلى الله عليه وسلم: "اللهم إني أعوذُ بك من زوال نعمَتك، وتحوُّل عافيتك، وفُجاءة نقمتِك، وجميع سخَطك"(رواه مسلم).

ومن شُكرِ النعم: حمدُ الله عليها، قال صلى الله عليه وسلم: "إن اللهَ ليرضَى عن العبد أن يأكلَ الأكلَةَ فيحمَده عليها، أو يشربَ الشربةَ فيحمدَه عليها"(رواه مسلم) كان صلى الله عليه وسلم إذا أوَى إلى فراشه يحمدُ ربَّه على النِّعَم، ويتذكَّرُ من حُرِمَها؛ فكان صلى الله عليه وسلم إذا أوَى إلى فراشِه، قال: "الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا وكفانا وآوانا، فكم ممن لا كافِيَ له ولا مُؤوِي"(رواه مسلم)، وكان يقول في صباحه ومسائه: "اللهم ما أصبحَ بي من نعمةٍ أو بأحدٍ من خلقِك فمنك وحدَكَ لا شريكَ لك، فلك الحمدُ ولك الشُّكرُ"(رواه أبو داود).

والقصور والتقصير في باب النعم عمى في البصيرة ووسوسة من الشيطان: (ثُمَّ لآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَآئِلِهِمْ وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ)[الأعراف: 17].

ويغفُل المسلمُ عن إدراك نِعَمِ اللهِ، بل ويزدريها حين ينظر إلى ما في أيدي الآخرين، قال صلى الله عليه وسلم: "انظروا إلى مَنْ هو أسفلَ منكم، ولا تنظروا إلى مَنْ هو فوقَكم، فهو أجدرُ ألَّا تَزْدَرُوا نعمةَ اللهِ عليكم"(متفق عليه).

وما أذنبَ عبدٌ ذنبًا إلا زالَت عنه نعمةٌ بحسب ذلك الذنبِ؛ قال ابنُ القيم: "المعاصِي نارُ النعَم تأكلُها كما تأكُلُ النارُ الحَطَبَ".
إِذَا كُنْتَ فِي نِعْمَةٍ فَارْعَهَا *** فَإِنَّ الذُّنُوبَ تُزِيلُ النِّعَمْ
وَحُطْهَا بِطَاعَةِ رَبِّ الْعِبَادِ *** فَرَبُّ الْعِبَادِ سَرِيعُ النِّقَمْ

بارَك اللهُ لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذِّكْر الحكيم.
أقول قولي هذا، وأستغفِر اللهَ لي ولكم فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
-------------------------------------------------

الخطبة الثانية:
الحمد لله جلَّ في علاه، أحمده سبحانه وأشكره، على ما أنعَم به علينا وأسداه، وأشهد ألَّا إلهَ إلا اللهُ، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبدُه ورسولُه ومجتباه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وَمَنْ والاه.

وبعد: فاتقوا الله -عباد الله-، واحذروا من استهلاكِ نعمِ اللهِ في مساخطه، قال تعالى: (فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُواْ بِمَا أُوتُواْ أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ)[الأنعام: 44].

وإن من سوء الأدب مع الله: الانغماس في النعيم، ونسيان المنعِم، والاستغراق في الفَرَح، قال سبحانه: (وَمَن يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللّهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُ فَإِنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ)[البقرة: 211].

اللهم آمنا في أوطاننا وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، اللهم وفِّق ولي أمرنا ونائبه لكل خير، اللهم اصرف عنا شر ما قضيت، وأعذنا من الفتن ما ظهر منها وما بطن.

اللهم اشف مرضانا وارحم موتانا وموتى المسلمين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

*خطـبـة جمـعــة بعنــوان :**الـــــــرجـــــــــــــــــــولــــــة.ee**وأهمية.غرسها.في.شباب.الأمة.tt**الخطبـــة.الاولــ...
18/11/2021

*خطـبـة جمـعــة بعنــوان :*
*الـــــــرجـــــــــــــــــــولــــــة.ee*
*وأهمية.غرسها.في.شباب.الأمة.tt*

*الخطبـــة.الاولـــى.cc*
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له،
وأشهد أن لا إله الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله.
(يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون)
(يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا)
(يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا * يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيماً)

أما بعــــد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

أيها الأحبة: في بيت من بيوت المدينة النبوية جلس عمر رضي الله عنه إلى جماعة من أصحابه، فقال لهم: تمنوا، فقال بعضهم: أتمنى لو أن هذه الدار مملوءة ذهبًا أنفقه في سبيل الله وأتصدق، وقال رجل: أتمنى لو أنها مملوءة زبرجدًا وجوهرًا فأنفقه في سبيل الله وأتصدق.. ثم قال عمر: تمنوا، فقالوا: ما ندري يا أمير المؤمنين فقال عمر: أتمنى لو أنها مملوءة رجالاً مثل أبي عبيدة بن الجراح ومعاذ بن جبل وسالم مولى أبي حذيفة وحذيفة بن اليمان. رواه الحاكم في المستدرك، وقال الذهبي صحيح على شرط البخاري ومسلم، وفي رواية فقال رجل: ما أَلوْتَ الإسلام (أي: قصرت عنه) فقال عمر: ذلك الذي أردت. رحم الله عمر رضي الله عنه الملهم لقد كان خبيراً بما تقوم به الحضارات الحقيقية، وتنهض به الرسالات الكبيرة وتحيا به الأمم الهامدة..

إن الأمم والرسالات تحتاج في قيامها إلى الإمكانات المادية بكل أنواعها لتقوم بدورها، ولكنها تحتاج قبل ذلك إلى الرجال ذوي النفوس العالية والقلوب الكبيرة والعزائم القوية ليقوموا برعايتها وتوظيفها والقيام بها خير قيام..

أيها الإخوة: الرجل أعز من كل معدن نفيس، وأغلى من كل جوهر ثمين ولذلك كان وجودُه عزيزاً في دنيا الناس حتى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إِنَّمَا النَّاسُ كَالْإِبِلِ الْمِائَةِ لَا تَكَادُ تَجِدُ فِيهَا رَاحِلَةً". رواه البخاري عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا.

قال الشيخ السعدي رحمه الله -معلقاً على هذا الحديث-: "هذا الحديث مشتمل على خبر صادق وإرشاد نافع..

أما الخبر فإنه صلى الله عليه وسلم أخبر أن النقص شامل لأكثر الناس، وأن الكاملَ أو المقارب الكمال فيهم قليل، كَالْإِبِلِ الْمِائَةِ تستكثرها، فإذا أردت منها راحلة تصلح للحمل والركوب والذهاب والإياب لم تكد تجدها..

وهكذا الناسُ كثيرٌ..
فإذا أردت أن تنتخب منهم من يصلح للتعليم أو الفتوى أو الإمامةِ، أو الولاياتِ الكبارِ أو الصغارِ.. أو الوظائفِ المهمة لم تكد تجد من يقوم بتلك الوظيفة قياماً صالحاً.. وهذا هو الواقع فإن الإنسان ظلوم جهول والظلم والجهل سبب للنقائص وهي مانعة من الكمال والتكميل..".

أيها الأحبة: الرجل الكفء الصالح هو حامل الرسالة، وروح النهضة، ومحور الإصلاح...

إن القوة ليست بقوة وجَوْدَةِ السلاح بقدر ما هي كامنة في قلب الجندي.. والتربية والتعليم ليستا في الإمكانات المادية بقدر ما هي في روح معلم.. وإنجاز المشروعات ليس في تكوين فرق العمل بقدر ما هو في حماسة القائمين عليها.

أيها الإخوة: لله در أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه ما أحكمه حين لم يتمن الإمكانات المادية وإنما تمنى الرجال الأفذاذ الذين تفتح على أيديهم كنوز الأرض، وأبواب السماء.. إن رجلاً واحداً قد يساوي مائة، ورجلاً قد يوازي ألفاً، ورجلاً قد يزن شعباً بأسره، وقد قيل: رجل ذو همة يحيي أمة.

والناسُ ألفٌ منهُمُ كواحدٍ *** وواحدٌ كالألفِ إنْ أمرٌ عَنَى

روى ابن حجر في الإصابة: "أن خالد بن الوليد استمد أبا بكر رضي الله عنهما لما حاصر الحيرة فأمده بالقعقاع بن عمرو.. وقال لا يُهزم جيش فيه مثله.. وقال أبو بكر رضي الله عنه عن القعقاع: لصوت القعقاع في الجيش خير من ألف رجل.. وكتب عمر إلى سعد بن أبي وقاص رضي الله عنهما أي فارس كان أفرس في القادسية: فكتب إليه أني لم أر مثل القعقاع بن عمرو حمل في يوم ثلاثين حملة يقتل في كل حملة بطلاً"...

ولما أبطأ على عمرو بن العاص فتح مصر كتب إلى عمر بن الخطاب يستمده فأمده عمر بأربعة آلاف رجل على كل ألف رجل منهم رجل وكتب إليه عمر بن الخطاب إني قد أمددتك بأربعة آلاف رجل على كل ألف رجل منهم مقامُ الألف: الزبير بن العوام، والمقداد بن الأسود، وعبادة بن الصامت، ومسلمة بن مخلد، واعلم أن معك اثني عشر ألف رجل، ولا يغلب اثنا عشر ألفاً من قلة. رواه في كنز العمال.

معاشر الأحبة: من هو الرجل الذي نريد.؟ هل هو كل من طَرَّ شاربه ونبتت لحيته من بني الإنسان هو الرجل الذي نريد..؟ وهل الرجولة ببسطة الجسم، وطولِ القامة، وقوةِ البنية فقط..؟ لا..!! فقد قال الله عن طائفة من المنافقين: (وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ) [المنافقون:4] وفي صحيح البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: إِنَّهُ لَيَأْتِي الرَّجُلُ الْعَظِيمُ السَّمِينُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يَزِنُ عِنْدَ اللَّهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ وَقَالَ اقْرَءُوا (فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا) [الكهف:105]..

إذن: ليس هذا الرجل الذي نريد وإنما نريد الرجل الذي يتمتع بقوة نفسية تحمله على معالي الأمور وتبعده عن سفسافها.. فالرجولة قوةٌ تجعله كبيراً في صغره، غنياً في فقره، قوياً في ضعفه... الرجولة: قوةٌ تحمله على أن يعطي قبل أن يأخذ، وأن يؤدي واجبه قبل أن يطلب حقه... الرجولة: قوة تحمل صاحبها على أن يؤدي واجبه نحو ربه، وواجبه نحو نفسه، وواجبه نحو أهله ودينه وأمته...

الرجولة.. بإيجاز هي قوة الخُلُق وخُلُق القوة. الرجولة: بُعْدٌ عن الميوعة.. واعتزازٌ بالشخصية واقتداءٌ بهادي البشرية صلى الله عليه وسلم... الرجولة: تعني الإصلاح لا الإفساد...

الرجولة: تعني تأليف القلوب لا تفريقها..
الرجولة: تعني العمل لا القعود بلا عمل.. الرجولة: تعني التواضع ولين الجانب لا الكبر واحتقار الناس.. الرجولة: تعني الدور الايجابي للرجل في بيته وفي أهله وفي قريته وفي مدينته وفي دولته لا الدور السلبي...

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم.
أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين، فاستغفروه ثم توبوا إليه، إنه هو الغفور الرحيم.

*الخطبــــة.الثانيــــة.tt*
الحمد لله على فضله،وإحسانه،وأشكره على توفيقه وامتنانه،وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله،صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه،وسلَّم تسليماً كثيرًا، أما بعد:

أيها الإخوة: لم يكن يوماً من الأيام ضعفُ البنية وصغرُ السن قادحاً في الرجولة..

فقد روى الخطيب في تاريخ بغداد عن معاوية بن قرة عن أبيه أن بن مسعود رضي الله عنه كان يجني لهم نخلة، فهبت الريح فكشفت عن ساقيه.. قال: فضحكوا من دقة ساقيه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "أتضحكون من دقة ساقيه؟! والذي نفسي بيده لهما أثقل في الميزان من جبل أحد".

وكم من غلام في مقتبل العمر، ترى الرجولة المبكرة في قوله وعمله وتفكيره وخلقه. من ذلك مر عمر رضي الله عنه على ثلة من الصبيان يلعبون فهرولوا، وبقي صبي مفرد في مكانه، هو عبد الله بن الزبير، فسأله عمر: لِمَ لَمْ تعدُ مع أصحابك؟ فقال الطفل عبد الله بن الزبير رضي الله عنه الذي تلمع فيه حياة الرجولة: يا أمير المؤمنين لم أقترف ذنباً فأخافك، ولم تكن الطريق ضيقةً فأوسعها لك!

وروي في كتب السير: أن وفداً من المهنئين لعمر بن عبدالعزيز بالخلافة من أهل الحجاز غلام صغير وكان الوفد قد اختار الغلام ليتكلم عنهم، وهو أصغرهم، فلما بدأ بالكلام قال له عمر: مهلاً يا غلام ليتكلم من هو أسن منك، فقال الغلام: مهلاً يا أمير المؤمنين، المرء بأصغريه: قلبِهِ ولسانِه، فإذا منح اللهُ العبدَ لساناً لافظاً وقلباً حافظاً، فقد استجاد له الحلية (استحق أن يتكلم) يا أمير المؤمنين لو كان التقدم بالسن لكان في الأمة من هو أسن منك (أي أحق بمجلسك هذا ممن هو أكبر منك سناً) فقال عمر: تحدث يا غلام، فتحدث وأجاد فأعجب به وشجعه على ذلك، وزاده ثقة بنفسه وجراءة، فقال له: عظنا يا غلام وأوجز، فوعظه، فأنشأ عمر رحمه الله يقول:
تَعَلّم فليس المرء يولد عالماً *** وليس أخو علم كمن هو جاهل
وإن كبير القوم لا علم عنده *** صغير إذا التفّتْ عليه المحافل

أيها الإخوة ذكر الشيخ السعدي رحمه الله: وهو يشرح قوله صلى الله عليه وسلم: "إِنَّمَا النَّاسُ كَالْإِبِلِ الْمِائَةِ لَا تَكَادُ تَجِدُ فِيهَا رَاحِلَةً" هذا الحديث مشتمل على خبر صادق وإرشاد نافع.. ذكرت الخبر أول الخطبة، أما الإرشاد النافع فقال: فإن مضمون هذا الخبر إرشاد منه صلى الله عليه وسلم إلى أنه ينبغي لمجموع الأمة أن يسعوا ويجتهدوا في تأهيل الرجال الذين يَصْلُحُون للقيام بالمهمات، والأمور الكلية العامة النفع.. إلى أن قال: فالوظائف الدينية والدنيوية، والأعمال الكلية لا بد للناس منها ولا تتم مصلحتهم إلا بها وهي لا تتم إلا بأن يتولاها الأكفاء والأمناء وذلك يستدعي السعي في تحصيل هذه الأوصاف بحسب الاستطاعة....اهـ.

أيها الإخوة: ومما ينمّي الرجولة عند الصغار: إحضارهم لمجالس الرجال العامة، وتعليمهم الأدب واحترام الكبار.. واحترام الصغار وتقديرهم إذا حضروا إلى مجالس الرجال وعدم إخراجهم منها.. أو إهانتهم أمام الناس وكسر شخصياتهم.. وأن يكون توجيههم برفق واحترام..

وحثهم على مطالعة سير السابقين والحاضرين ممن يقتدى بهم.. ومنها تعليمهم الجرأة مثل: أن يكون عند الصغير الجرأة على الأذان والإمامة والحديث أمام الآخرين... ومنها تعويدهم على الحشمة في ملابسهم وتجنيبهم كل ما يكون سبباً في الميوعة، وعدم تعويدهم على الترف والبذخ والكسل.. وحثهم وأمرهم بصلاة الجمعة والجماعة مع المسلمين...

وإلقاء السّلام عليهم، فعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّ عَلَى غِلْمَانٍ فَسَلَّمَ عَلَيْهِم. رواه مسلم.

وكذلك استشارتهم وأخذ رأيهم، أيضاً توليتهم مسئوليات تناسب سنّهم وقدراتهم وكذلك استكتامهم الأسرار.. من ذلك حديث أَنَسٍ رضي الله عنه قَالَ: أَتَى عَلَيَّ رَسُولُ اللَّه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَا أَلْعَبُ مَعَ الْغِلْمَانِ قَالَ: فَسَلَّمَ عَلَيْنَا وبَعَثَنِي إِلَى حَاجَةٍ، فَأَبْطَأْتُ عَلَى أُمِّي، فَلَمَّا جِئْتُ قَالَتْ: مَا حَبَسَكَ؟ قُلْتُ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّه لِحَاجَةٍ. قَالَتْ: مَا حَاجَتُهُ.؟ قُلْتُ: إِنَّهَا سِرٌّ.! قَالَتْ: لا تُحَدِّثَنَّ بِسِرِّ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَحَدًا. رواه مسلم.

اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد
اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد

الدعاء ...

الـشـبـكـة الـدعـــويــة الـرائـــدة المتخصصة بالخطـب والمحاضرات 🌧 سـاهـم بالنشـر تؤجـر بـإذن اللـّـه •~•~•~•~•~•~•~•~•~•~•~•~• للتواصل مع إدارة القناة إضغط ....

12/11/2021

فإن مع العسر يسرا

سنتان نقرأهما في كتاب الله عز وجل ألزم بالواحدة منهما ذاته العلية وألزم بالثانية عباده في مقابل التزامه بالأولى، جعل السنة الثانية التي ألزم بها عباده شرطاً للسنة الأولى التي تفضل بها على عباده، أما السنة الأولى فهي تلك التي يعبر عنها بيان الله عز وجل في قوله سبحانه: )فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً، إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً[ [الشرح: 5-6]، قاعدة ألزم الباري عز وجل بها ذاته العلية أنه ما من عسر يبتلى به الإنسان إلا ويأتي في أعقابه مباشرة اليسر الذي ينسخه ولكن ذلك مشروط بأن يلتزم الإنسان بالعهد الذي ألزمه الله سبحانه وتعالى به، بالسنة التي ألزم الله سبحانه وتعالى بها عباده وهي أن يفر الإنسان عندما يقع في العسر أياً كان نوعه، أن يفر منه إلى التجمل بالرضا والصبر أولاً ثم أن يفر من هذا العسر إلى اللجوء إلى أعتاب الله عز وجل والالتصاق ببابه والتمسكن عند جنابه، تلك هي السنة الثانية.

ولقد قضى الله عز وجل بأن يربط الأولى بالثانية فقال عز من قائل: )وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ[ [البقرة: 40]، أوفوا بعهدي الذي ألزمتكم به وهو الصبر على الشدائد التي تنتاب الإنسان وتأتيه ابتلاءً من الله عز وجل ثم الفرار من هذه الشدائد إلى أعتاب الله، إلى الوقوف على باب الله، إلى التضاؤل عند جنابه والتعرض لصفحه وكرمه، وكأن الله عز وجل يقول لعباده إن أنتم وفيتم بالعهد الذي ألزمتكم به التجاءً إليَّ وفراراً إلى رحمتي وصفحي فلسوف إلزم ذاتي بما قد وعدتكم به وهو أن يعقب العسرَ يسرٌ دائم، هما سنتان إذاً ينبغي أن نتبينهما جيداً، وإننا لنلاحظ هذه السنة في حياتنا التي نعيشها سواء كانت حياة فردية أو اجتماعية، هي مصداق دقيق لقوله سبحانه )وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ[ ذلك هو العسر، ثم قال: )وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ، الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ[ [البقرة: 155-156].

إذاً سنة الابتلاء ماضية في عباد الله عز وجل ولكن الله عز وجل ألزم ذاته بأن ينسخ اليسرُ العسرَ بعد ذلك بل مباشرة )فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً[ [الشرح: 5] وأكد ذلك فقال: )فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً[ [الشرح: 5] ولكن بشرط الالتجاء إلى الله، بشرط الفرار من هذا العسر إلى أعتاب الله والتمسكن على باب الله سبحانه وتعالى، وانظروا إلى هذا العهد الذي قطعه الله عز وجل علينا من خلال قوله سبحانه )وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ، فَلَوْلا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ[ [الأنعام: 42-43].

هذا هو العهد الذي قطعه الله عز وجل علينا وذلك هو العهد الذي ألزم الله به ذاته تجاهنا فهلا وفينا العهد الذي قطعه الله علينا ليوفي العهد الذي ألزم الله عز وجل به ذاته؟! هلا وقفنا عند قوله )وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ[ [البقرة: 40]، ومع هذا فإن في الناس ربما من قد يعترض أو يستشكل فيقول وما الحكمة من أن يبتلي الله الإنسانَ بالعسر ثم يكشف عنه العسر إذا التجأ إلى الله عز وجل، هلا أقامه في حياةٍ كلها اليسر دون هذه المقدمة وتلك النتائج، دون السنة الأولى ولا السنة الثانية؟ سؤال قد يطوف بذهن كثير من الناس فما الجواب على ذلك؟

الجواب باختصار يا عباد الله هو أن ما نعلمه من أن الحياة التي نعيشها اليوم ليست مقراً وإنما هي ممرٌّ إلى مقر هي معبر هي جسر إلى الحياة الباقية الخالدة التي تنتظرنا عبر بوابة الموت، إذا علمنا أن حياتنا هذه ممر فهل من الحكمة الربانية أن يجعلها الله عز وجل نعيماً مقيماً لا تشوبه شائبة؟ هل من الحكمة أن يتقلب الإنسان من هذه الحياة في رغد من العيش أنَّا ما تقلب وكيفما حل وسار إذاً سيتشبث الإنسان بهذه الحياة تشبث الخالدين وإذا أقبل إليه الموت فلسوف يكون اقتلاعه أو انقلاعه من هذه الحياة التي تعشقها لأنها كلها متع لسوف يكون اقتلاعه من الحياة الدنيا أمراً شديداً جداً جداً ولعله أشبه ما يكون بمجموعة خيوط حريرية تشبثت بشجرة من الشوك اجتذبتها بشدة فتقطع من تلك الخيوط ما تقطع وبقي منها ما بقي، الحكمة أن يجعل الله هذه الحياة التي هي ممر مزيجة من خير وشر حتى نستفيد من الخير في طريقنا إلى الله فإذا جاءنا الشر تأفننا من هذه الحياة وعرفنا أن الإنسان ما ينبغي أن يركن إليها، ما ينبغي أن يتعشقها، هي جسر والجسر ما ينبغي أن يكون فيه من المتع ما في الدار التي أنت مقبل إليها بعد عبورك لهذا الجسر بدقائق.

هذه الحكمة الأولى أما الحكمة الثانية فهي أن تتجلى هويتك عبداً لله عز وجل، أنا عبد أعلن ذلك صباح مساء لكن كيف تفوح رائحة عبوديتي حقيقة لله، إذا جاءتني الابتلاءات سنة من سنن الله كما قلت لكم ثم أقبلت إلى العهد الذي ألزم الله عز وجل به نفسي فالتجأت إليه، شكوت أمري إليه، تمسكنت على بابه، أعلنت عن تجملي وصبري على قضائه هنا تفوح رائحة عبودية الإنسان لله والمطلوب أيها الإخوة أن يعلن الإنسان عن عبوديته لله ببرهان لا أن يعلن عن عبوديته لله بدعوى تحتاج إلى دليل، هذه الحقيقة كم وكم جسدها الله عز وجل لنا، هذه الرابطة بين السنة التي ألزم الله بها ذاته العلية )إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً[ [الشرح: 6] والسنة التي ألزمنا بها شرطاً للأولى أن نفي بعهد الله عز وجل تجملاً وصبراً وأن نفي بعهد الله سبحانه وتعالى التجاءً وتمسكناً وتضرعاً على أعتاب الله سبحانه وتعالى.

وانظروا يا عباد الله كيف يجسد لنا مولانا الحكيم هذه السنة بشطريها بل هاتين السنتين في سيرة سيدنا يوسف على نبينا وعليه الصلاة والسلام، ضرب الله لنا منه مثلاً لسلسلة الابتلاءات التي ابتلِيَ بها ثم ضرب الله لنا منه مثلاً للصبر والتجمل والالتجاء الدائم إلى الله ثم أرانا كيف أبدل الله سبحانه وتعالى عسره يسراً، ألا ترون؟ ألم تقرؤوا سورة يوسف؟ رماه إخوته وهو صغير في البئر دون ذنب اقترفه ثم إن فئة من الناس أقبلت فانتشلته من البئر وفازت به عبداً باعته في سوق النخاسة بمصر هذا هو الابتلاء الثاني، ثم إن عزيز مصر اشتراه واتخذه خادماً في داره، ولما بلغ مبلغ الشباب ونضج كيانه واشتد عوده راودته زوجة العزيز عن نفسه وذلك هو الابتلاء الأطم والأشد فاستعصم وتعفف والتجأ إلى الله سبحانه وتعالى قائلاً: )قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ[ [يوسف: 33]، ثم إنه سجن لبضع سنين وهو بريء، سلسلة من المصائب هي سنة، هي العسر الذي تحدث البيان الإلهي عنه لكن كيف قابل يوسف عليه الصلاة والسلام هذا العسر؟ قابله بالتجمل والرضا، قابله بالالتجاء إلى الله دائماً أن يفرج عنه، أن يكشف عنه هذا الضر، نعم، فماذا كانت عاقبة ذلك؟

كانت العاقبة أن أخرجه الله من السجن ثم كانت العاقبة الثانية أن زوجه من تلك التي راودته عن نفسه ثم إن الله بوأه عرش مصر ثم إن الله عز وجل جمع الشمل وأعاد إليه أبويه وإخوته، أرأيتم هكذا يكون رب العالمين في تصرفه مع عباده لكن تعالوا نصغي السمع إلى خواتيم هذه الصورة التي تجلي لنا هذا المعنى الذي أقوله لكم، أقبل إخوة يوسف إلى مصر يريدون أن يأخذوا الميرة، الحاجات التي يحتاجون إليها ليعودوا بها إلى الصحراء التي كانوا يعيشون فيها، إلى البادية، دخلوا على عزيز مصر وهم لا يعرفونه: )فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ، قَالَ هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ، قَالُوا أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ، قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ، قَالَ لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ، اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيراً وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ، وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلا أَنْ تُفَنِّدُونِ، قَالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ الْقَدِيمِ، فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيراً قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ، قَالُوا يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ، قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ، فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ، وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدا - سجود تكريم لا سجود عبادة – وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقّاً وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ، رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِين[ [يوسف 88-101]

مشهد جذاب يا عباد الله ينسيك الدنيا وما فيها، يجعلك تعيش في بحار من حكمة الله ولطفه وكرمه وجوده، ما الشدة عندما تفر منها إلى أعتاب الله، ما البلاء عندما تعلم أنك تتقلب في كفٍّ من حكمة الرحمن سبحانه وتعالى، اللهم ألهمنا الشكر أمام نعمائك وألهمنا الصبر والالتجاء إليك بصدق وثبات أمام ضرائك. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم.
------------

Adresse

Mascara

Heures d'ouverture

Lundi 09:00 - 11:00

Site Web

Notifications

Soyez le premier à savoir et laissez-nous vous envoyer un courriel lorsque Yassine Larouci publie des nouvelles et des promotions. Votre adresse e-mail ne sera pas utilisée à d'autres fins, et vous pouvez vous désabonner à tout moment.

Partager