15/09/2026
كيف نفهم لاهوت بولس؟
عندما نبدأ دراسة لاهوت بولس، من السهل أن نقع في خطأ يبدو في ظاهره منطقيًا جدًا. نفتح رسائل بولس، ثم نبدأ في جمع ما يقوله عن التبرير، والتقديس، والروح القدس، والكنيسة، والناموس، والاختيار، والأخرويات، وبعد ذلك نحاول أن نضع هذه الموضوعات في ترتيب عقائدي. هذا الأسلوب يمكن أن يكون مفيدًا في مرحلة معينة، لكنه لا ينبغي أن يكون نقطة البداية. والسبب بسيط: بولس نفسه لم يكتب رسائله بهذه الطريقة. فهو لم يجلس ليكتب "كتابًا في اللاهوت" ثم يضع تحته أبوابًا مثل الله، الإنسان، الخطية، الخلاص، الكنيسة، والأخرويات. لقد كتب إلى كنائس وأشخاص حقيقيين، في أماكن حقيقية، يواجهون أسئلة ومشكلات وصراعات حقيقية، ولذلك ظهرت أفكاره اللاهوتية وهي تتحرك داخل التاريخ ومن خلال أحداث الخلاص التي صنعها الله. وهذه ملاحظة مهمة جدًا لفهم كتاباته. فالمادة الأصلية تذكر أن بولس كتب إلى تسالونيكي في موضوع المجيء الثاني، وكتب إلى غلاطية في مواجهة محاولة إلزام الأمم بالختان والناموس، وبالتالي فهو يختار مادته وطريقة حجته بحسب القضية التي يناقشها.
وهذا لا يعني أن بولس كان يكتب بطريقة عشوائية، أو أنه لم يكن لديه فكر متكامل. بالعكس، من أهم أهداف دراسة لاهوت بولس أن نكتشف البنية الفكرية التي تجمع رسائله المختلفة. قد تتغير المسألة التي يناقشها، لكن خلف هذه المناقشات توجد طريقة معينة في التفكير. عندما يتكلم عن إبراهيم في غلاطية 3، أو عن آدم في رومية 5، أو عن القيامة في 1 كورنثوس 15، أو عن إسرائيل والأمم في رومية 9 إلى 11، أو عن الكنيسة في أفسس، نحن أمام أفكار مختلفة في ظاهرها، لكنها مرتبطة في عمقها برؤية واحدة لتاريخ عمل الله: الله خلق، ثم دخلت الخطية والموت، ثم أعطى الوعد، ثم تعامل مع إسرائيل، ثم جاء المسيح في ملء الزمان، ومات وقام، وانطلقت الخليقة الجديدة، وأُعطي الروح القدس، ودخل اليهود والأمم إلى شعب الله في المسيح، وهم ينتظرون اكتمال الخلاص في القيامة والمجيء والدينونة والخليقة الجديدة.
إذن، دراسة لاهوت بولس ليست مجرد دراسة "موضوعات بولس"، بل دراسة الطريقة التي يرى بها بولس عمل الله في التاريخ.
من محاضرات مادة لاهوت بولس
د. مينا وجيه يوسف