Planète littéraire - Khalid Allam

Planète littéraire - Khalid Allam Enseignement - Khalid ALLAM

12/04/2026

🔷 دور الفلسفة في تكوين الفكر النقدي

" يتساءل كثيرون عن دور الفلسفة في علاقتها بتكوين الفكر النقدي وتعلم آليات النقد عبر إقامة المعنى والجدوى من التفلسف عموما، بالرغم من أن من يتساءل ليس غريبا عن حقل الفلسفة، بل يقيم داخلها وينتعش بفكرها ومفاهيمها التي تتساوق حينا وتتكامل وتتنافر حينا آخر ليس اختيارا منها أو من روادها، بل لتأسيس خطاب يكون فيه النقد قد بلغ مداه.
ولذلك، ينبغي تأسيس رؤية فلسفية بمعية المفاهيم داخل حقل الفلسفة لتحديد معنى الفلسفة أولا ثم معنى النقد ثانيا لكي نفرز الغاية من ممارسة النقد وتعلمه عبر التفلسف الذي لن يكون سوى العمل بأدوات فعل التفلسف، لتسعفنا العبارة ونخرجها من ضيقها إلى أن تجد مكانها المنطقي داخل خطاب عقلاني يهدم الخطاب الهش ويبني على أنقاضه نصا نقديا مثينا، يُقَعدُ على أرض صلبة تُدعى اليقين.
ولما كان الأمر بهذه الطريقة في اتباع آليات للتفلسف، فلن نستمر في الكتابة ما لم نطرح الأسئلة الموجهة لتبيان الغاية من الفكر النقدي على وجه الخصوص، ودور الفلسفة في تكوينه.
ما الفكر النقدي؟ وما علاقتهُ بالفلسفة؟
وكيف يمكن للفلسفة أن تعمل على تكوين الفكر النقدي؟
قبل أن نخوض في دور الفلسفة في تكوين الفكر النقدي، لا بأس بأن نُقدم تعريفا للفلسفة ولو بشكل مبسط، الفلسفة اشتقاقا هي محبة الحكمة، بينما اصطلاحا، نجد لها عددا كبيرا لا حصر له من التعريفات بقدر عدد الفلاسفة عبر تاريخها الطويل، لكن سأكتفي بتعريف جامع نسبيا للفيلسوف إمانويل كانط، حيث عرفها بأنها " علم العلاقة بين كل المعارف والغايات العُظمى للعقل البشري." وما دامت الفلسفة هي علم العلاقة بين كل المعارف في ارتباطها بالعقل، فلن يكون خطابها إلا عقلانيا منطقيا، والعقل بهذا المعنى يشتغل على عقلنة الخطاب وجعله مفهوما، بحيث يبلغ إقناع المتلقي بآليات منطقية لن تخرج عن الدهشة والشك والتساؤل.. ولما كانت علاقة الفلسفة بالنقد تتحدد في آليات التلفسف المذكورة آنفاً، فلن نجد من سبيل إلى إقامة العلاقة بين الفلسفة ودورها في تكوين الفكر النقدي إلا بتعرف النقد وتحديد مميزاته وغاياته وطرق ممارسته، لأنهُ ليس من المنطقي أن نطلب من عامة الناس ممارسة التفلسف، بل هو حرفة أو مهنة من وجد له إقامة جبرية داخل الغابة السوداء ( الفلسفة ) بتعبير الفيلسوف الألماني الوجودي المعاصر مارتن هايدجر.
إن النقد ممارسة فكرية عقلية منطقية تستوجب النباهة الفكرية واستعمال فكر الفكر لقراءة ما بين السطور في الخطاب الموجه للنقد. وهذا الأمر، يجعل من النقد آلية هدم وبناء من جديد، بمعاول الحفر التي تتكون من الدهشة أولا والشك المنهجي ثانيا، وثالثا طرح التساؤل المبني على إقامة المعنى والجدوى من النقد. إن العلاقة بين الفلسفة والنقد الفكري علاقة ذات طبيعة تلازمية، فلا بناء فكري من دون نقد، فالفلسفة منذ نشأتها مع اليونان بدأت بالنقد، وتم فرز خطاب الميتوس على خطاب اللوغوس، وبدأ نمط جديد في التفكير يتجاوز السابق ويبني الحاضر ويتطلع للاحق وما قد يأتي من إشكالات..
والنقد بمعنى من المعاني أيضا، هو إعادة إنتاج خطاب جديد على حساب خطاب أصلي، يتم تجاوز أفكاره بالوقوف على طبيعة بنائه وزوايا النظر التي تحيل على معناه ومضمونه. النقد أعتبره حفرا أركيولوجيا في النص، وإعادة تأسيسه وبنائه بجهاز مفاهيمي رصين يعطي للمنطق أولوية خاصة في تماسك بنياته بحيث يصير سورا رصينا صعب التصدع والإنهيار.
لا يمكننا أن نحصر النقد في مجال معرفي محدد، بل كل الأجناس الأدبية الأخرى تشتغل بالنقد، غير أن موضوعنا هذا، يفرض علينا التقيد بمفاهيمه، حتى نتمكن من تحديد دور الفلسفة في تكوين الفكر النقدي، ذلك أن الفلسفة نصبت نفسها سدا منيعا ضد الجاهز، وهي تؤمن بأن لا كيانات راسخة داخلها بل تطبعها الصيرورة على الدوام، والفكر النقدي بهذا المعنى هو إقامة التمايز بين السذاجة والتأمل، والخروج إلى دروب التفلسف دون إيمان راسخ بأن هذه الفكرة دائمة، بل كل ما ينتجه الإنسان من عمل، فهو موجه للنقد أساسا.
تلعب الفلسفة أيضا دورا هاما في تكوين الفكر النقدي، بإيمانها العميق بأن لكل عصر من العصور إشكالاته الخاصة، ولما كان الأمر كذلك، فالتفكير النقدي يبقى رهانا أساسيا لمعالجة كل إشكال على حدة، دون نسيان ربط الفلسفة بالواقع المادي الذي تتشكل مواده الطبيعية وفق المرور من الوجود بالقوة إلى الوجود بالفعل، عبر عقلنة أدوات الإشتغال لبناء الخطاب النقدي.
هكذا تستطيع الفلسفة تكوين الفكر النقدي عبر ممارسة التفلسف بأدواته المعروفة؛ الدهشة، الشك، التساؤل، ثم الوعي بالذات وبالعالم والفعل فيهما بعقلانية ومنطق.
والفلسفة وهي تعلمنا التفكير النقدي، لا تؤمن بكيانات دائمة أو مفاهيم ثابتة، بل تضع نصب أعينها بأن النص كيفما كانت طبيعته، فهو إنتاج للمعنى ويجب إعادة النظر في هذا المعنى لصناعة معنى المعنى أو الجدوى من إنتاج الخطاب وفق ما يطرحه الواقع الإنساني من تحديات."

🔷 الصفحة الرسمية 👈🏾 كريم جدي

🔷 رابط عدد من برنامج على قناة مع البروفيسور أستاذ الفلسفة الغربية بجامعة #بوزريعة في حلقة بعنوان ( العرب وسؤال النهضة)
👇🏾👇🏾👇🏾👇🏾👇🏾👇🏾👇🏾👇🏾

https://youtu.be/iR686Vw47JA?si=dKxspfyGr4W77GKO

12/04/2026

🔷 الفلسفة المشائية: من أرسطو إلى ابن رشد - مسار العقل والاستدلال

"تعد الفلسفة المشائية من أهم المدارس الفلسفية في الفكر الإنساني، وهي المدرسة التي أسسها الفيلسوف اليوناني أرسطو (384-322 ق.م)، والتي استمر تأثيرها في العالم الإسلامي والغربي حتى العصور الحديثة. سميت "المشائية" بهذا الاسم نسبةً إلى طريقة أرسطو في التدريس، حيث كان يُلقي محاضراته أثناء المشي مع تلاميذه في أروقة مدرسة اللوقيون في أثينا. تميزت الفلسفة المشائية بمنهجها العقلي التجريبي، حيث اعتمدت على الاستدلال المنطقي والبحث في الطبيعة والميتافيزيقا والمنطق والسياسة والأخلاق.

أبرز فلاسفة المشائية في الفكر اليوناني والإسلامي
يعد أرسطو الأب المؤسس لهذه الفلسفة، وقد طور منهجًا فلسفيًا متميزًا عن أستاذه أفلاطون، حيث اعتمد على التجربة الحسية والمنطق الصوري بدلًا من التصورات المثالية. ومن تلاميذه في المدرسة المشائية ثيوفراستوس، الذي طور أفكار أرسطو في علم النبات والأخلاق، ثم جاء أندرونيقوس الرودسي، الذي أسهم في جمع كتابات أرسطو وتصنيفها.

في العالم الإسلامي، تأثر الفلاسفة المسلمون بالفكر المشائي من خلال ترجمة كتب أرسطو وشروحه، وكان أبرز هؤلاء الفارابي، الذي عمل على التوفيق بين أفكار أرسطو وأفلاطون، وابن سينا، الذي قدم فلسفة مشائية مطعمة بنزعات ميتافيزيقية وصوفية، ثم جاء ابن رشد الذي سعى إلى تفسير فلسفة أرسطو بشكل عقلاني بحت، وأثر لاحقًا في الفلسفة الغربية.

🔷 الفلسفة المشائية عند أرسطو ومنهجه الفلسفي

أرسطو هو العقل المفكر وراء الفلسفة المشائية، وقد تميزت أفكاره بالاعتماد على المنطق والتجربة في فهم العالم. من أبرز مفاهيمه الفلسفية نظرية العلل الأربع، التي يرى من خلالها أن لكل شيء في الوجود أربعة أسباب: العلة المادية، والصورية، والفاعلة، والنهائية. كما أنه ميز بين المادة والصورة، حيث اعتبر أن كل كيان في الطبيعة يتكون من مادة تقبل التغير وصورة تحدد ماهيته.

على عكس أفلاطون، الذي رأى أن الحقيقة تكمن في عالم المُثل، فإن أرسطو اعتبر أن المعرفة تنبع من دراسة الواقع الحسي، وأن الأفكار لا توجد بشكل مستقل عن الأشياء. كما تناول مسألة الوجود والعدم من خلال مفهوم "المحرك الأول"، حيث رأى أن الكون يتحرك وفق نظام سببي، وأن هناك علة أولى غير متحركة تحرك كل شيء دون أن تتحرك، وهو ما اعتبره الأساس الميتافيزيقي لفهم الكون.

🔷 الفلسفة المشائية في الفكر الإسلامي

لم يكن استقبال الفلسفة المشائية في الفكر الإسلامي مجرد نقل حرفي لأفكار أرسطو، بل شهدت تطورًا وإضافة جديدة. الفارابي، على سبيل المثال، قدم رؤية فلسفية حاول فيها التوفيق بين أرسطو وأفلاطون، وطور نظريات في السياسة والاجتماع. أما ابن سينا، فقد دمج بين الفلسفة المشائية والتصوف، حيث أضاف أبعادًا روحانية على نظرية الوجود، وقدم مفهوم "واجب الوجود"، وهو الفكرة التي أثرت لاحقًا في الفلسفة الإسلامية والصوفية.

من جهة أخرى، جاء الغزالي ليوجه انتقادات شديدة للفلسفة المشائية، خصوصًا في كتابه "تهافت الفلاسفة"، حيث رفض بعض أطروحات الفلاسفة المشائين، مثل أزلية العالم وإنكار البعث الجسماني. أما ابن رشد، فقد حاول الدفاع عن أرسطو ضد انتقادات الغزالي، مؤكداً أن الفلسفة والدين يمكن أن يتكاملا، مما جعله من أبرز شُراح أرسطو في العصور الوسطى.

🔷 المنهج والمنطق في الفلسفة المشائية

أحد أبرز إسهامات الفلسفة المشائية كان تطوير علم المنطق، حيث يُعتبر أرسطو مؤسس المنطق الصوري، الذي يعتمد على القياس والاستدلال. هذا المنهج كان له تأثير كبير في الفكر الإسلامي، حيث استخدمه علماء الكلام في الدفاع عن العقيدة، كما ظهر أثره في الفقه الإسلامي، خاصة في القياس الفقهي، رغم الاختلاف في طبيعة الاستدلال بينهما.

أما من الناحية العلمية، فقد أثرت الفلسفة المشائية على دراسة الطبيعة والميتافيزيقا، حيث ساعدت في تطوير مفاهيم مثل الحركة والزمان والمكان، مما مهد لاحقًا للثـ. ور . ة العلمية في أوروبا.

🔷 الانتقادات والتأثيرات اللاحقة للفلسفة المشائية

على الرغم من تأثيرها الكبير، واجهت الفلسفة المشائية انتقادات عديدة من المدارس الفلسفية الأخرى. فالرواقية، مثلًا، انتقدت اعتماد المشائية على المنطق الجاف، ودعت إلى فلسفة أخلاقية عملية. كذلك، رأى الفلاسفة المسيحيون في العصور الوسطى، مثل توما الأكويني، أن الفلسفة المشائية تحتاج إلى تعديلات لتتوافق مع العقيدة الدينية.

أما في العصور الحديثة، فقد تأثر العديد من الفلاسفة بالمشائية، حيث نجد أثرها في الفكر الديكارتي والكانطي، كما أنها ألهمت الفلسفة الوضعية والعلمية التجريبية. ومع ذلك، فإن تطور العلوم الحديثة أدى إلى تراجع بعض أفكارها، مثل مفهوم العلل الأربع، الذي تم استبداله بمناهج علمية حديثة تعتمد على التجريب والملاحظة الدقيقة.

🔷 هل لا تزال الفلسفة المشائية مؤثرة في الفكر المعاصر؟

لا تزال بعض جوانب الفلسفة المشائية حاضرة في الفكر المعاصر، خاصة في مجالات المنطق والفلسفة التحليلية. فالمنطق الأرسطي لا يزال يُدرس كأساس في الفلسفة الحديثة، رغم تطور المناهج المنطقية، مثل المنطق الرمزي. كما أن أفكار أرسطو حول السببية والمعرفة تظل محل اهتمام الفلاسفة والعلماء في مجالات مثل فلسفة العلم ونظرية المعرفة.

🔷 الفلسفة المشائية بين الماضي والحاضر

الفلسفة المشائية تمثل واحدة من أعمق المدارس الفكرية التي أسهمت في تشكيل الفكر الإنساني. من أرسطو إلى ابن رشد، ومن الفارابي إلى الفلاسفة الأوروبيين، استمرت هذه الفلسفة في التأثير على ميادين متعددة، من المنطق والميتافيزيقا إلى العلم والسياسة. ورغم أن بعض أفكارها تجاوزها الزمن، إلا أن جوهرها القائم على العقلانية والاستدلال المنطقي لا يزال حاضرًا في النقاشات الفلسفية حتى اليوم."

🔷 د. حمدي سيد محمد محمود

🔷 الصفحة الرسمية 👈🏾 كريم جدي

🔷 رابط عدد من برنامج على قناة مع البروفيسور أستاذ الفلسفة الغربية بجامعة #بوزريعة في حلقة بعنوان ( العرب وسؤال النهضة)
👇🏾👇🏾👇🏾👇🏾👇🏾👇🏾👇🏾👇🏾

https://youtu.be/iR686Vw47JA?si=dKxspfyGr4W77GKO

25/03/2026
17/11/2025

🔷 كتاب نظام الخطاب
🔷 ميشيل فوكو

يعدّ كتاب نظام الخطاب لميشيل فوكو، بترجمة الدكتور محمد سبيلا ونشر دار التنوير، من أبرز النصوص الفلسفية التي تناولت العلاقة المعقدة بين المعرفة والسلطة، والكيفية التي تُدار بها الحقيقة داخل المجتمعات الحديثة. يضمّ الكتاب أربعة نصوص رئيسية: «نظام الخطاب» وهو المحور الأساسي، ثم «نسق فوكو» لبرنار ليفي، و«الحقيقة والسلطة» وهو حوار مع فوكو أجراه ميشيل فونتانا، وأخيرًا «دلالات الجنون في فكر فوكو» لجان لاكروا. هذه النصوص الأربعة تتكامل لتشكل خريطة فكرية دقيقة لفلسفة فوكو، التي تجمع بين الحفر الأركيولوجي والتحليل الجينيالوجي للسلطة والمعرفة.
في قلب هذا العمل، يطرح فوكو سؤالًا جوهريًا: كيف تُنتج السلطة المعرفة؟ وكيف تتحكم أنظمة الخطاب في إدارة الحقيقة داخل المجتمع؟ في محاضرته الافتتاحية في الكوليج دو فرانس سنة 1970، والتي شكّلت نواة هذا الكتاب، يكشف فوكو عن أن الخطاب ليس وسيلة بريئة للتعبير، بل هو أداة سلطة تُمارس من خلالها المجتمعات عملية ضبط دقيقة لما يمكن قوله أو التفكير فيه. فالخطاب، بحسب فوكو، يخضع لآليات استبعاد متشابكة: المنع والتحريم، التمييز بين العقل والجنون، وإرادة الحقيقة. هذه الآليات ليست مجرد قيود سياسية أو أخلاقية، بل هي جزء من البنية الرمزية التي تحدد من يُسمح له بالكلام، وفي أي موضوع، وتحت أي شروط يمكن قبول قوله على أنه “صحيح”.
يرى فوكو أن المجتمعات الحديثة تحكمها إرادة الحقيقة أكثر مما تحكمها الرقابة المباشرة؛ إذ تتحول “الحقيقة” إلى سلطة غير مرئية تفرض ذاتها باسم الموضوعية والعلم. ومع ذلك، فإن داخل فضاء الخطابات المسموح بها تعمل آليات ضبط داخلية دقيقة، مثل وظيفة المؤلف التي تمنح النص شرعية خاصة، والمؤسسات التعليمية التي تُنتج معايير القبول والرفض، والتخصصات الأكاديمية التي تفصل المعارف وتضبط لغتها وحدودها. بذلك يصبح الخطاب شبكة من القوى المعرفية، لا مجالًا للفكر الحر كما يُتصوَّر، بل نظامًا متكاملاً يحدد إمكان القول والفكر معًا.
لا يسعى فوكو إلى بناء نسق فلسفي جديد أو تقديم علم للخطاب، بل إلى تحليل شروط إمكان الحقيقة نفسها: ما الذي يجعلها ممكنة؟ ومن يملك حق إنتاجها؟ وكيف تتجسد السلطة في اللغة والمعرفة والمؤسسات؟ إنه ينقل السؤال من “ما الحقيقة؟” إلى “من يتكلم باسم الحقيقة؟” فيتحول الخطاب إلى ساحة صراع رمزي بين قوى متعددة، لا بين الأفكار فحسب بل بين من ينتجونها ويمنحونها شرعية الوجود.
أما برنارد ليفي، فيقدّم في نصه «نسق فوكو» قراءة فلسفية دقيقة لمشروع فوكو، مؤكدًا أن فوكو ليس بنيويًا بالمعنى التقليدي، بل “حفري” يبحث في طبقات الفكر الإنساني عن أنساقه الخفية. المعرفة عند فوكو ليست تراكمًا خطيًا بل شبكة من العلاقات التاريخية التي تحدد ما يمكن التفكير فيه في كل عصر. ومن هنا يقول ليفي عبارته الشهيرة: “المعرفة والسلطة واقعان متجانسان؛ فالفيلسوف حين يتكلم يحرج نظام العالم”.
في الحوار المعنون «الحقيقة والسلطة»، يوضح فوكو أن الصراع السياسي لا يدور حول الأيديولوجيات فقط، بل حول الحقيقة نفسها: من يملكها؟ ومن يفرضها؟ ينتقد فوكو المثقفين الذين يتحدثون باسم الإنسانية بينما يغفلون عن تحليل مؤسساتهم كأماكن لإنتاج السلطة والمعرفة. فالحقيقة ليست مطلقة أو بريئة، بل تتكوّن داخل شبكات القوة التي تحكم المجتمع، سواء في السجن أو المستشفى أو الجامعة أو المؤسسة العسكرية.
أما جان لاكروا، في نصه «دلالات الجنون في فكر فوكو»، فيقرأ مشروع فوكو من منظور اللغة واللاوعي، معتبرًا أن فوكو يجعل من الجنون مرآة تكشف الوجه المقموع للعقل. فاللغة عند فوكو ليست مجرد وسيلة للتواصل، بل فضاء تمارس فيه السلطة فعلها عبر التصنيف والتقسيم بين العقلاني والمجنون، السوي والمنحرف، المجرم والبريء. من هنا، يتحول الجنون إلى بناء اجتماعي يُظهر كيف يُنتج المجتمع معاييره من خلال إقصاء المختلف.
في مجموع هذه النصوص، يظهر فكر فوكو كرحلة فلسفية عميقة في تحليل بنى الحداثة، حيث الحرية لا تُمارس إلا ضمن شروط السلطة ذاتها، وحيث الحقيقة ليست سوى نتاج لصراعات خفية بين القوى التي تدّعي تمثيلها. إن نظام الخطاب لا يقدّم إجابات بقدر ما يفتح أسئلة مقلقة حول طبيعة القول والمعرفة والعقل، ليذكّرنا بأن كل ما نعتبره “حقيقة” هو في نهاية المطاف جزء من نظام رمزي أكبر يُنتجنا كما نُنتجه.
ولد ميشيل فوكو عام 1926 في فرنسا، وارتبط اسمه بأكثر المفاهيم تأثيرًا في الفكر المعاصر: السلطة، الخطاب، حفريات المعرفة. من أشهر أعماله تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكي، أركيولوجيا المعرفة، المراقبة والعقاب، وتاريخ الجنسانية. رحل عام 1984، لكنه ترك أثرًا لا يُمحى في الفلسفة الحديثة، إذ جعل الفكر يواجه نفسه ويسائل أنظمته ومسلّماته.
إن نظام الخطاب ليس مجرد كتاب عن اللغة أو السلطة، بل هو درس فلسفي في كيفية تفكيك المسكوت عنه في الفكر الحديث، وفي إدراك أن الحقيقة ليست ما نكتشفه، بل ما يُسمح لنا أن نقوله.

🔷 الصفحة الرسمية 👈🏾 كريم جدي
🔷 رابط عدد من برنامج على قناة مع البروفيسور في حلقة بعنوان ( جاك دريدا والتفكيك)
👇🏾👇🏾👇🏾👇🏾👇🏾👇🏾👇🏾👇🏾

https://youtu.be/rTCGKyJwgCs?si=nH5sT7ej1rs5rhdd

17/11/2025

🔥 هل سألت نفسك يومًا… لماذا التاريخ الذي درسناه في المدارس يشبه الظل أكثر مما يشبه الحقيقة؟!
لماذا قدّموا لنا تاريخًا باهتًا… بينما الحقيقة كانت تشتعل مجدًا ونورًا وانتصارًا؟! 🤔⚡

لقد علّمونا أن التاريخ أسماء وتواريخ…
لكنهم أخفوا الأمجاد، ومسحوا البطولات، وتركونا نقرأ نصف الصورة فقط! 📜🚫
بينما الجانب الآخر… كان أعظم مما يتصوره عقل! 🔥🌍

━━━━━━━━━━━
🏰 قالوا: الدولة الأموية كانت صراعًا على الحكم…
✨ لكن الحقيقة:
هي الدولة التي مدّت جناحي الإسلام من الصين شرقًا إلى الأندلس غربًا!
هي التي جعلت العربية لغة العلم والفلك والطب، ورفعت راية القرآن فوق أعناق الأمم! 🌙📚
إنها الدولة التي صنعت حضارةً أبهرت العالم!

━━━━━━━━━━━
🕋 قالوا: الدولة العثمانية “رجل مريض”...
🔥 لكن الواقع:
هي من حطّمت الإمبراطورية البيزنطية، وفتحت القسطنطينية في الفتح الذي بشّر به رسول الله ﷺ!
هي التي وقفت كالسور أمام أوروبا، وكبحت الصفويين في جالديران، وحمت الأمة لستة قرون كاملة! ⚔️🛡️
أيُّ “رجل مريض” هذا الذي كانت ترتعد من جنده أوروبا كلها؟!

━━━━━━━━━━━
📚 قالوا: الحملة الفرنسية جاءت بالنور…
😡 والحقيقة:
جاءت بالنار والدم!
دنّس نابليون الأزهر الشريف بخيوله، وقتل من المصريين مئات الآلاف في ثورتي القاهرة!
وما خلفته تلك الحملة من فكرٍ مسموم… لا يزال يؤذي الأمة حتى اليوم. 🔥💔

━━━━━━━━━━━
🏇 قالوا: المماليك عبيد متصارعون…
💥 لكن الحقيقة:
هؤلاء “العبيد” هم من أوقفوا زحف التتار الذي أسقط نصف العالم!
في عين جالوت صرخ قطز: وا إسلاماه!
فاهتزّت الأرض… وانهزم التتار… وكتب الله للأمة فجرًا جديدًا! 🦁⚔️

━━━━━━━━━━━
👑 شوّهوا صورة هارون الرشيد…
🕌 لكن الواقع:
كان عابدًا زاهدًا، يحج عامًا ويغزو عامًا، وتخشع عيناه بالدموع عند سماع القرآن.
وفي عهده بلغت الأمة قمة القوة والعلوم والرخاء… حتى قيل: طرَقات بغداد كانت تلمع علمًا وذهبًا! 🌟🏛️

━━━━━━━━━━━
🧠 قالوا: العلماء بعيدون عن السياسة…
❗ لكن التاريخ يصرخ:
ابن تيمية، والعز بن عبد السلام، وأحمد بن حنبل… وقفوا كالجبال!
سُجنوا، ضُربوا، حُوربوا… لكنهم لم ينحنوا، بل حموا الدين ورفعوا راية الحق في وجه الطغيان! ⚔️🕊️

━━━━━━━━━━━
💡 فاسأل نفسك…
لماذا غُيّب هذا التاريخ؟
لماذا حذفوا صفحات المجد، ولماذا لم يخبرونا أننا أبناء أمة أعظم مما نتخيل؟!

📖 هناك تاريخ آخر…
تاريخٌ مضيء، مخبوء عمدًا… ينتظر من يزيل عنه الغبار.
تاريخٌ إذا قرأته… أدركت أنك تنتمي إلى أمة لا تُهزم مهما تكالبت عليها الليالي! 🌅🔥

━━━━━━━━━━━
💞 صلّوا على خير من أنار التاريخ بنوره ﷺ
وأيقنوا… أن الأمة التي تعرف تاريخها وتفهمه جيدًا
لا يمكن أن تُهزم أبدًا! 🦅✨

📣 إذا لامس الكلام قلبك… فساعدنا، وانشر، ودع غيرك يفتح عينيه.
أنت لست مجرد متابع…
أنت شريك في إعادة الوعي إلى مكانه الصحيح! 🚀🕊️

17/11/2025

مدخل معاصر إلى فلسفة العقل
- تأليف: جون هيل
- ترجمة: عادل مصطفى

يقدّم هذا الكتاب نظرة معاصرة إلى فلسفة العقل من منظور يدمج التحليل الفلسفي الصارم بالمعطيات المتنامية للعلوم الإدراكية. يضعنا جون هيل أمام التحوّل الكبير الذي شهدته فلسفة العقل خلال القرن العشرين، حين تخلّى كثير من فلاسفتها عن النزعات التأملية الصرفة واقتربوا من العلم التجريبي، حتى أصبحوا يعدون أنفسهم علماء معرفيين بقدر ما هم فلاسفة. ينطلق الكتاب من قناعة أساسية مفادها أنّ الأسئلة المتعلقة بالعقل ليست لغوية أو نفسية فحسب، بل هي قبل كل شيء أسئلة ميتافيزيقية تتصل بطبيعة الوجود ذاته، ولذلك فهو يطرح مجموعة من النماذج الفلسفية التي حاولت أن تحدد طبيعة العقل والكيفية التي يرتبط بها بالعالم المادي.

يهدف الكتاب إلى تقديم عرض منهجي للصراعات الكبرى داخل فلسفة العقل: الثنائية والواحدية والسلوكية ونظرية الهوية والوظيفية، ثم الاتجاهات المعاصرة التي قدّمها ديفيدسون ودينيت وغيرهما. ويكشف هيل كيف أنّ كل محاولة لفهم العقل هي في الوقت نفسه محاولة لفهم العلاقة بين الإنسان والعالم، وبين الذات وتجربتها الداخلية، وبين الوعي وبنية الجسد والدماغ. يوضح المؤلف أن الفلسفة المعاصرة للعقل تقوم على الاعتقاد بأن أي تفسير معقول للعقل يجب أن يتأسس على معطيات العلم، لكنه يصرّ أيضاً على أنّ العلم وحده لا يمكنه أن يقدّم إجابات نهائية ما لم يُفتح المجال للتأمل في الأسس الأنطولوجية لهذه الظواهر.

الثنائية الديكارتية ونشأة مشكلة العقل والجسد

ينطلق هيل من الثنائية الديكارتية بوصفها الأصل التاريخي للمشكلة التي حاولت فلسفة العقل الحديثة تجاوزها. يرى ديكارت أنّ العالم ينقسم إلى جوهرين مختلفين: جوهر عقلي يتميز بالفكر، وجوهر مادي يتميز بالامتداد. ويعرض الكتاب كيف تحوّلت هذه الرؤية إلى مصدر إشكال مستمر حول العلاقة بين هذين الجوهرين، لأن الثنائية تجعل الوعي شيئاً غريباً عن العالم، منفصلاً عنه، مما يطرح سؤالاً حول كيفية قيام التفاعل بينهما.
يشرح هيل أنّ أهمية هذا النموذج لا تكمن في كونه صحيحاً أو خاطئاً، بل في أنه وضع الإطار الذي تعمل ضمنه كل النظريات اللاحقة، سواء كانت تسعى لتأكيد فصل العقل عن الجسد أو لإثبات أنّ التجربة الذاتية يمكن اختزالها إلى عمليات مادية أو سلوكية. ويورد المؤلف فقرات توضّح إصرار ديكارت على أنّ الفكر حقيقة لا تقبل الشك، وأنّ معرفة الذات سابقة معرفياً لمعرفة العالم.

السلوكية: محاولة لتجاوز الثنائية

يقدم الكتاب عرضاً نقدياً للسلوكية بمختلف أشكالها. يوضح هيل كيف اعتقد السلوكيون أنّ مشكلة العقل يمكن حلّها إذا توقفنا عن التفكير في الحالات العقلية كأشياء داخلية، وتعاملنا معها بدلاً من ذلك بوصفها أنماطاً من السلوك أو الاستعدادات السلوكية. كان هدف السلوكية إنقاذ الفلسفة من افتراضات ميتافيزيقية معقدة، لكنها انتهت إلى إنكار البعد الداخلي للتجربة الإنسانية.
يفصّل هيل أن السلوكيين رأوا أنّ تقرير المرء عن اعتقاد أو رغبة هو في جوهره تقرير عما يمكن أن يفعله أو سيقوم به في ظروف معينة. إلا أنّ هذه النظرية، رغم بساطتها المنهجية، واجهت صعوبات جذرية لأنّ الإنسان يملك حياة داخلية لا يمكن تفسيرها بمجرّد السلوك الظاهر، وذلك ما جعل السلوكية تفقد جاذبيتها مع منتصف القرن العشرين.

نظرية الهوية: العقل كحالة دماغية

ينتقل هيل إلى نظرية الهوية التي ترى أن الحالات العقلية ليست سوى حالات عصبية في الدماغ. هذا الاتجاه جاء كردّ فعل على السلوكية، لأنه منح الاعتبار للداخلية دون العودة إلى الثنائية. وفق هذا التصور، فإن الاعتقاد أو الألم أو الرغبة هي عمليات مادية محددة تحدث في الجهاز العصبي.
يفصّل المؤلف الحجج التي قدّمتها نظرية الهوية لإثبات أنّ العقل ليس شيئاً مختلفاً عن الجسد، بل هو أحد أوجهه. إلا أنّ النظرية تواجه إشكالات تتعلق بإمكانية «تحقيق» الحالة العقلية بأشكال متعددة عبر كائنات مختلفة، وهو ما دفع إلى البحث عن نموذج أوسع يفسّر العقل دون ربطه بتكوين بيولوجي بعينه.

الوظيفية: البنية لا المادة

يطرح هيل المذهب الوظيفي باعتباره التطور الطبيعي للسلوكية ونظرية الهوية معاً. يرى الوظيفيون أن ما يهم في الحالة العقلية ليس مادتها بل وظيفتها داخل نظام معين. فالألم مثلاً يُعرَّف بوصفه حالة تنتج عن إصابة جسدية، وتسبب انفعالات معينة، وتدفع إلى تجنّب الخطر، بصرف النظر عن نوع الكائن الذي يخبره.
في هذا التصور، يصبح العقل أشبه ببرنامج يمكن تشغيله على أجهزة مختلفة، وهو ما جعل الوظيفية نموذجاً مهيمنًا في فلسفة العقل وفي العلوم الإدراكية على السواء. غير أنّ هيل يناقش كذلك الانتقادات التي وُجّهت إليها، خصوصاً عجزها عن تفسير «الكواليا» أو الخصائص الكيفية للتجربة، وهي التجربة الذاتية المرتبطة مثلاً بالإحساس بالأحمر أو الشعور بالألم.

الاتجاهات المعاصرة: ديفيدسون ودينيت

يستعرض الكتاب بعض التصوّرات المعاصرة التي حاولت تجاوز المشكلات التي تركتها النظريات السابقة. يقدّم دونالد ديفيدسون نموذجاً يقوم على المماثلة غير الاختزالية، إذ يرى أن الحالات العقلية مرتبطة بالمادية لكنها ليست قابلة للاختزال إليها. في حين يقترح دانييل دينيت منهجاً تفسيرياً يعتمد على تبني «الموقف القصدي»، حيث نفهم الكائنات عبر إسناد نوايا ومعتقدات افتراضية لها، وهي طريقة تفسيرية تبرر ذاتها من خلال قدرتها على التنبؤ بالسلوك.
يبرز هيل كيف تتقاطع هذه الاتجاهات الجديدة مع تطورات علم الأعصاب والذكاء الاصطناعي، حيث لم يعد العقل مجرد موضوع فلسفي بل أصبح موضوعاً علمياً يُدرس في سياق متعدد التخصصات.

خلاصة ختامية

يضعنا جون هيل أمام خريطة شاملة للمسألة المركزية في الفلسفة المعاصرة: ما طبيعة العقل؟ وكيف يرتبط بالعالم المادي؟ يعرض الكتاب التوتر المستمر بين التفسيرات الثنائية والمادية، ثم يقدّم النماذج التي حاولت تجاوز هذا الانقسام عبر السلوكية ونظرية الهوية والوظيفية. كما يتعمق في الاتجاهات الحديثة التي جعلت من العقل موضوعاً علمياً دون فصله عن جذوره الفلسفية.

16/11/2025

العقل والطيبة في عالم طبيعي
- تأليف: ريتشارد ك. كاريير
- ترجمة: حيدر عبد الواحد راشد

يقدّم ريتشارد ك. كاريير في كتابه العقل والطيبة في عالم طبيعي رؤية فلسفية متكاملة تُبنى على ما يسميه “الطبيعية الوجودية” — أي الإيمان بأن كل ما هو موجود يمكن تفسيره داخل العالم الطبيعي دون الحاجة إلى أي عناصر فوق طبيعية. يضع كاريير العقل الإنساني والأخلاق والوعي ضمن هذا الإطار، محاولًا البرهنة على أن القيم والمعاني لا تحتاج إلى إسناد ميتافيزيقي لتكتسب قوتها أو شرعيتها، بل تنبع من التجربة الإنسانية والعقل النقدي والعلم التجريبي.
يحاول الكتاب إعادة بناء ميتافيزيقا جديدة على أسس علمية، تُبقي على القيم والطيبة والمعنى الإنساني، دون أن تسقط في الغيب، ودون أن تنكر حاجة الإنسان إلى غاية أخلاقية أو إلى رؤية كونية تمنحه الاتساق الداخلي.

المحاور الرئيسية

1. العقل أساس الفهم والوجود

يبدأ كاريير من سؤال: كيف نعرف؟ ويجيب بأن العقل هو الوسيلة الوحيدة الموثوقة التي يمتلكها الإنسان لمعرفة الحقيقة. كل ما نؤمن به عن أنفسنا والعالم يجب أن يمر عبر غربال النقد العقلي والمنهج العلمي. إن الميتافيزيقا هنا ليست إنكارًا للروح، بل إقرار بأن الوعي نفسه نتاج طبيعي مدهش، يمكن فهمه دون افتراض عوالم خفية. في هذا الإطار، يرفض كاريير أي تقسيم ثنائي بين الجسد والعقل، مؤكدًا أن التفكير نفسه وظيفة طبيعية، كالتنفس أو الحركة، لكنها أكثر تعقيدًا. الفلسفة، بالنسبة له نشاط عقلي منظم يربط بين العلم والأخلاق والمعنى.

2. الأخلاق في عالم بلا غيب

أحد أكثر أقسام الكتاب إثارة هو محاولة كاريير تأسيس أخلاق إنسانية مستقلة عن الدين أو الماوراء. الطيبة، في نظره نتيجة منطقية لتجربة الإنسان في العيش المشترك. فكل كائن عاقل يسعى إلى السعادة والازدهار، وهذه الغاية لا تتحقق إلا حين يسهم الأفراد في رفاه بعضهم البعض. هنا تتخذ الأخلاق طابعًا عمليًا: هي وصفة للبقاء الإنساني المتناغم، وليست مجرد نظام من الأوامر. يذهب كاريير أبعد من ذلك حين يرى أن العلم قادر على إمدادنا بمعايير موضوعية نسبية لتقييم الأفعال، استنادًا إلى أثرها على الرفاه الإنساني، وهو بذلك يقرّب فلسفته من ما يسميه “الإنسانية العلمية” أو “الأخلاق الطبيعية”.

3. العالم الطبيعي كإطار شامل للمعنى

يرى كاريير أن العالم الطبيعي، على اتساعه، كافٍ لاحتضان المعنى الإنساني. فالعظمة تكمن في قدرة الكون على إنتاج كائن عاقل قادر على التأمل في نفسه وفي الوجود كله. العلم، في هذا السياق، يصبح أداة للكشف عن الجمال والمعنى في الطبيعة. إن الوعي بالانتماء إلى هذا الكون يخلق نوعًا من “الروحانية الطبيعية” التي تقوم على الدهشة والفهم بدلاً من التسليم والإيمان الغيبي. إنه تصور يحرّر الإنسان من ثنائية “المقدّس والمدنّس” ويدخله في وحدة كونية عقلانية.

4. الطيبة بوصفها ثمرة العقل

يصرّ كاريير على أن الطيبة لا تحتاج إلى وعود بالخلاص لتتحقق، بل إلى وعي عقلاني بقيمة الآخر. فالإنسان الطبيعي، في ضوء العلم والعقل، يدرك أن سعادته مشروطة بسعادة غيره، وأن التعاون لا الصراع هو أساس التقدّم. الطيبة إذًا ليست نكرانًا للذات بل حكمة في إدراك الترابط الوجودي. ويؤكد أن هذا الإدراك يمكن أن يُربّى عبر التعليم والفكر النقدي. إنها أخلاق تستمد قوتها من الوعي لا من السلطة.

5. نقد الفكر الميتافيزيقي

ينتقد كاريير الأنظمة الفكرية التي تفسّر العالم عبر مفاهيم خارقة للطبيعة. فهو يرى أن هذه الأنظمة تعطل العقل، في حين أن الفكر العلمي يعلمنا التواضع والبحث المستمر. غير أن نقده ليس هدميًا خالصًا؛ فهو يعترف بأن الإنسان يحتاج إلى المعنى، لكنه يدعو إلى البحث عنه داخل حدود العالم الواقعي، في العلاقات الإنسانية، في المعرفة، وفي الإبداع.

الخلاصة الختامية

يُعدّ كتاب العقل والطيبة في عالم طبيعي إعلانًا فلسفيًا لإنسانية جديدة تؤمن بأن العقل والعلم قادران على منح الحياة معناها، دون الحاجة إلى الاستناد إلى عوالم غيبية أو سلطة فوق بشرية. إنه دفاع عن فكرة أن الأخلاق يمكن أن تكون عقلانية، وأن القيم يمكن أن تُستنبط من التجربة الإنسانية ذاتها. في زمنٍ يسوده الالتباس بين الإيمان واللا معنى، يقترح كاريير طريقًا ثالثًا: أن نكون عقلانيين دون أن نصبح عدميين، وأن نكون طيبين دون أن نحتاج إلى وعود بالخلاص. هذه الفلسفة الطبيعية لا تُقصي العاطفة بل تحتضنها ضمن وعي متصالح مع الطبيعة، حيث يصبح الإنسان مركز المعنى، والعقل طريقه الوحيد إلى الحقيقة، والطيبة ذروة حكمته في هذا العالم.

14/11/2025

وجوه : عارف حجاوي

في عالم عربي يتأرجح بين عدد من الهويات اللغوية؛ "فصحى" جليلة تسكن الكتب والتراث، و"عامية" حية تجري على ألسنة الناس في شوارعهم، والإنجليزية التي صارت اللغة الأولى لأجيال بأكملها، بدت الفجوة وكأنها قدر لا فكاك منه. تحولت الفصحى في وعي الأجيال الجديدة إلى لغة "متحفية"، ضرورية للخطب الرسمية ورتابة الأخبار، لكنها منفصلة عن حيوية الحياة اليومية. كان هذا هو الازدواج الثقافي الأكبر: أن نفكر بعمق بلغة لا نعيش بها، وأن نعيش بلغة لا نثق بقدرتها على التفكير العميق.

في قلب هذا الوضع، ومن داخل المؤسسات الإعلامية الأكبر (بي بي سي ثم الجزيرة)، جاء صوت عارف حجاوي. لم يأتِ حجاوي كـ"نحوي"، يحمل عصا سيبويه ليصحح أخطاء المذيعين، بل جاء كـعاشق يمتلك مفاتيح كنز منسي. كان سؤاله مختلفاً: ماذا لو لم تكن الفصحى هي المشكلة، بل علاقتنا بها هي المشكلة؟ ماذا لو كانت هذه اللغة، التي تبدو جامدة، تخفي خلف قواعدها الصارمة عبقرية ومرونة وحياة؟

كان مشروع عارف حجاوي هو أنسنة الفصحى وإعادتها من برجها العاجي إلى الميدان العام. لم يكن مشروعه تعليمياً بالمعنى التقليدي، بل كان مشروع إغواء لغوي.

فرادة حجاوي تكمن في منهجه. لقد تجاهل عن عمد الخوض في الإعراب الجاف الذي يخيف الناس، وركّز بدلاً من ذلك على سحر البيان و"فلسفة الكلمة". لم يسأل "ما هو إعراب هذه الكلمة؟"، بل سأل: "لماذا اختار العربي هذه الكلمة دون غيرها ليصف هذا الشعور؟".

في فقراته الشهيرة، كان يحول الخطأ اللغوي الشائع إلى مدخل لقصة. كان يفكك أصل الكلمة (Etymology)، ويعيدها إلى جذورها في الصحراء، في رعي الإبل، أو في دقة الوصف، ليثبت أن القاعدة النحوية ليست قيداً تعسفياً، بل هي منطق انبثق من صميم التجربة الإنسانية.

كان حجاوي يخوض معركة ضد "عقدة نقص لغوية". في عصر بدا فيه أن "العامية" هي لغة المشاعر الصادقة وأن "الإنجليزية" هي لغة العلم، جاء هو ليقول إن "الفصحى" قد تكون هي الأداة الأدق والأجمل والأكثر قدرة على التعبير عن كليهما، وإن لم تكن وحدها.

لم يكن عارف حجاوي حارساً تقليدياً للغة يرفض التغيير، بل حاول أن ينشئ خليطًا أنيقًا من التراث والحداثة. لقد أثبت أن المشكلة ليست في اللغة، بل في القطيعة معها. كان مشروعه محاولة لإعادة الوصل بين العربي الحديث وجذوره المعرفية، مذكراً إيانا بأن اللغة ليست مجرد أداة تواصل، بل هي البيت الذي يسكنه وعينا، وأن الاهتمام بسلامة هذا البيت هو أولى خطوات البناء.

Address

Safi

Telephone

+212661724924

Website

Alerts

Be the first to know and let us send you an email when Planète littéraire - Khalid Allam posts news and promotions. Your email address will not be used for any other purpose, and you can unsubscribe at any time.

Share