Hamid Nahri - حميد النهري

Hamid Nahri - حميد النهري مرحبا بكم فى الصفحة الرسمية للدكتور حميد النهري
أستاد ?

بلغ السيل الزبى… حين نَعِد بما لا نملك قراره.بلغ السيل الزبىونحن في قلب الحملة الانتخابية كنا نعرف أن الوعود ستتوالى وأن...
14/09/2026

بلغ السيل الزبى… حين نَعِد بما لا نملك قراره.

بلغ السيل الزبى
ونحن في قلب الحملة الانتخابية كنا نعرف أن الوعود ستتوالى وأن دائرتها ستتسع يوماً بعد يوم وأننا سنسمع من هنا وهناك وعوداً صعبة التحقيق، وربما أخرى تثير السخرية. وهذا، إلى حد ما أمر طبيعي في كل انتخابات فالحملة تدفع الأحزاب السياسية إلى التنافس على إقناع الناخبين وتقديم ما تعتزم القيام به إذا حازت ثقتهم.
لكن الوعد شيء وتحويل كل شيء إلى وعد انتخابي شيء آخر.
ففي أيام قليلة انتقلنا من وعود كنا نطالب بمناقشة كلفتها ومصادر تمويلها وإمكان تنفيذها، إلى مستوى آخر: أن تصبح حتى القرارات التي لا يملك أصحاب الوعود سلطة اتخاذها منفردين مادة للوعد الانتخابي.
وهنا، في تقديري بلغ السيل الزبى.
أولاً: السميك… من الحوار الاجتماعي إلى الوعد الانتخابي
سبق أن توقفت عند الوعد برفع الحد الأدنى للأجر إلى 5000 درهم، ولا حاجة إلى إعادة النقاش نفسه. لكن ما يستحق التوقف عنده اليوم هو جانب آخر من المسألة.
فملف ظل طوال الولاية الحكومية موضوعاً للحوار الاجتماعي والتفاوض والتدرج، وتحضر عند مناقشته باستمرار إكراهات المقاولة والتوازنات الاقتصادية انتقل فجأة إلى التجمعات الانتخابية في صورة رقم محدد ووعد جاهز للتنزيل.
والمسألة هنا ليست فقط في قيمة الزيادة ولا في توقيتها ولا حتى في كلفتها الاقتصادية. هناك سؤال يسبق ذلك كله: من يملك القرار؟
فالحد الأدنى للأجر لا يحدده حزب سياسي بإعلان في تجمع انتخابي ولا يملكه طرف حكومي منفرداً. هناك مسطرة قانونية وهناك منظمات مهنية للمشغلين ونقابات أكثر تمثيلاً ينبغي استشارتها طبقاً لمدونة الشغل.
ومن حق أي حزب أن يقترح 5000 درهم وأن يدافع عنها في برنامجه، وأن يلتزم بالسعي إلى تحقيقها.
لكن هناك فرقاً بين أن تقول للناخب سأدافع عن هذا الاختيار وبين أن تقدمه له كما لو أن القرار أصبح في جيبك.
ولم نكن نعرف أننا بعد أيام قليلة فقط، سننتقل إلى مثال أكثر إثارة.
ثانياً: من الوعد الداخلي إلى القرار الدولي
وهنا الطامة تصريح جازم بأن نهائي مونديال 2030 سيقام في ملعب بعينه «سواء أعجب ذلك البعض أم لا».
ثم يأتي توضيح رسمي من الاتحاد الدولي لكرة القدم بأن القرار لم يُتخذ بعد.
ثم يخرج رئيس الاتحاد الإسباني لكرة القدم ليضع التصريح في سياق الحملة الانتخابية المغربية مؤكداً استمرار إسبانيا في المنافسة على احتضان النهائي.
ثم يدخل رئيس الحكومة على الخط، منتقداً استباق التوافقات مع إسبانيا والبرتغال ومذكراً بأن ملعب الحسن الثاني مشروع تقرر بقرار ملكي وتُموّله موارد الدولة.
كل هذا في أيام قليلة.
وأمام العالم.
فملف يُدار بالتفاوض مع شريكين ويظل قرار المباراة النهائية فيه بيد الاتحاد الدولي لكرة القدم، تحوّل إلى مادة في تجمع انتخابي داخلي.
ولنكن واضحين كلنا نتمنى أن يحتضن المغرب نهائي كأس العالم 2030 وسيكون ذلك مصدر اعتزاز للمغاربة جميعاً. ومن حق المسؤول المغربي أن يدافع عن ملف بلاده وأن يعمل من أجل أن يكون النهائي في بنسليمان.
لكن التمني شيء والدفاع عن الترشيح شيء وتقديم القرار كما لو أنه حُسم شيء آخر.
والمخاطَر به هنا ليس موقع هذا الطرف السياسي أو ذاك، بل صورة المغرب في تدبير ملف دولي مشترك وموقعه التفاوضي مع شركائه.
والملاحظة هي نفسها التي وجدناها في الملف الأول ولكن بصورة أوضح: القرار ليس بيد من أعلنه.
فهنا هيئة دولية صاحبة القرار، وهناك شريكان في التنظيم لكل منهما مصالحه وطموحاته وحساباته.
ثالثاً: وهو الأخطر
وسط كل هذا، انتقل النقاش.
صرنا نتابع أين ستقام مباراة بعد أربع سنوات أكثر مما نتابع ما سيحدث لأجورنا ومدارسنا ومستشفياتنا خلال السنوات المقبلة.
وأنا أفرح بما يفرح به المغاربة ولا أنقص من قيمة ما تحقق رياضياً؛ فهو مصدر اعتزاز حقيقي وأنا أول من يشجع.
لكنني أرفض أن يتحول الفرح إلى بديل عن الحساب.
فالملاعب لا تُدرّس أبناءنا. والتصريحات لا تُعالج مرضانا. والوعد بمباراة لن يُنقص درهماً من ثمن ما يشتريه الناس في السوق.
وكلما ضاق الحديث عن الحصيلة وجد السجال السياسي في الفرحة الرياضية أو الوعد بمنشأة أو الحلم المؤجل مادة أسهل من أسئلة الحساب.
لكن الأسئلة التي تؤجلها الفرحة اليوم ستعود غداً:
ماذا تحقق؟ وكم كلّف؟ ومن استفاد؟ ومن دفع?

وخلاصة القول:
في أيام قليلة رأينا وجهين للمشهد نفسه: ملفاً اجتماعياً انتقل من سنوات الحوار والتفاوض إلى وعد انتخابي وملفاً دولياً قُدّم في تجمع انتخابي كما لو أن قراره قد حُسم.
وبين الملفين قاسم واحد يستحق أن يقال بوضوح في الحالتين الوعد يتعلق بقرار لا يملكه الواعد منفرداً.
في الأول هناك مسطرة قانونية وأطراف اجتماعية لها كلمتها. وفي الثاني هناك هيئة دولية وشريكان في التنظيم.

أن تَعِد بما تملك قراره فذلك التزام يمكن محاسبتك عليه.
وأن تقترح ما لا تملك قراره منفرداً وتقول للناخب إنك ستدافع عنه وتسعى إلى تحقيقه فذلك أيضاً جزء مشروع من السياسة.

أما أن تَعِد بما لا تملك قراره وتقدمه كما لو أنه حُسم، فذلك شيء آخر.
لأن المعادلة تصبح عندئذ مريحة جداً إن تحقق الوعد نُسب النجاح إلى صاحبه وإن لم يتحقق قيل إن القرار لم يكن بيده.
إنها باختصار الوصفة المثالية لوعد انتخابي امتلاك النجاح والتنصل من الفشل.
وبين هذا وذاك يُطلب من المواطن أن يصفق.
ثم يقال له بعد الاقتراع إن الظرفية لم تسمح.
وفي 23 شتنبر لنا نحن الكلمة.
فلنسأل قبل أن نصفق.

من سيدفع؟مع دخول الحملة الانتخابية مرحلة الحسم، وتزايد الوعود وارتفاع سقفها، ربما نحتاج، كمواطنين، إلى أن نكون أكثر وضوح...
11/09/2026

من سيدفع؟
مع دخول الحملة الانتخابية مرحلة الحسم، وتزايد الوعود وارتفاع سقفها، ربما نحتاج، كمواطنين، إلى أن نكون أكثر وضوحاً وصراحة.
ففي 23 شتنبر سنتوجه إلى صناديق الاقتراع لاختيار من سيتولى تدبير الشأن العام خلال السنوات المقبلة. والمشاركة، في تقديري، ليست فقط حقاً ديمقراطياً، بل هي أيضاً فرصة للاختيار والمحاسبة والتأثير في المستقبل.
ولذلك، فإن الدعوة إلى المشاركة لا تعني أن نكتفي بالاستماع إلى الوعود، بل أن نسأل أيضاً عن إمكان تنفيذها.
فالاختيار الواعي لا يقوم فقط على السؤال: ماذا تعدوننا؟
بل كذلك: كم سيكلف ذلك؟ ومن سيموّله؟ وهل يمكن فعلاً تنفيذه؟
ومع اقتراب موعد الاقتراع، تتكاثر الوعود ويرتفع سقفها: زيادات في الأجور والمعاشات، وتخفيضات ضريبية، وتوسيع للدعم، وبرامج اجتماعية جديدة.
وهذا طبيعي في موسم انتخابي.
لكن كلما ارتفع سقف الوعود، ارتفعت معه الفاتورة.
في مداخلتي الأخيرة تحدثت عن الأرقام في البرامج الانتخابية، وعن أن الانتقال من الشعار إلى الرقم خطوة إيجابية. لكن الرقم لا يصبح التزاماً جدياً إلا بأربعة عناصر: الكلفة، والتمويل، والجدولة الزمنية، وتقييم الأثر.
وأضيف اليوم بُعداً يكاد يغيب عن النقاش: أن القرار المالي لا يُتخذ في فراغ، بل يتشكّل بين قيدين.
القيد الأول: خارجي
فالمغرب ليس خاضعاً لبرنامج تصحيح مشروط يملي عليه سياسته المالية. وهذه نقطة يجب أن تكون واضحة.
لكنه، مثل كل دولة مندمجة في الاقتصاد والتمويل الدوليين، يخضع لاعتبارات لا يمكن تجاهلها.
فهو مرتبط بخط الائتمان المرن مع صندوق النقد الدولي، الذي يُتعامل معه باعتباره أداة وقائية، ويخضع في الوقت نفسه لمشاورات دورية في إطار المادة الرابعة، تصدر عنها توصيات معلنة بشأن العجز والمديونية، وتعبئة الموارد، وترشيد بعض النفقات، وتوسيع الوعاء الضريبي.
وهو مرتبط أيضاً بأسواق التمويل الدولية، وبنظرة المستثمرين ووكالات التصنيف إلى استدامة ماليته العمومية.
ولنكن واضحين: هذه التوصيات لا تُملى علينا، ولا تلزمنا قانوناً. لكنها تُقرأ، وتؤخذ بعين الاعتبار، وتدخل ضمن العناصر التي تتابعها الأسواق والمستثمرون ووكالات التصنيف عند تقييم استدامة المالية العمومية وشروط التمويل. فالقيد الخارجي لا يظهر دائماً في قرار يُملى، بل قد يظهر في هامش الحركة المتاح وفي كلفة التمويل.
القيد الثاني: داخلي
وهنا نصل إلى ما أسميه منذ سنوات في دروسي وكتاباتي اللوبيات الاقتصادية.
فالقرار المالي والجبائي لا يتحرك فقط تحت ضغط الأرقام والتوازنات الماكرو-اقتصادية، بل يتأثر أيضاً بموازين القوى والمصالح داخل المجتمع والاقتصاد. وفي المغرب، أستحضر باستمرار ثلاثة نماذج بارزة في هذا النقاش: اللوبي الفلاحي، واللوبي العقاري، والاتحاد العام لمقاولات المغرب، إلى جانب فاعلين قطاعيين ومهنيين ونقابيين آخرين.
ووجود جماعات المصالح ليس في حد ذاته أمراً غير طبيعي. فهي موجودة في مختلف الأنظمة الاقتصادية، وتمثيل المصالح والتفاوض بشأنها جزء من صناعة القرار.
السؤال الحقيقي هو: هل تتساوى القدرة على التأثير؟ ومن يستطيع إيصال مطالبه إلى القرار المالي والجبائي أكثر من غيره؟
فالفاعل الاقتصادي المنظم يمتلك التنظيم والخبرة والقدرة على التفاوض والضغط. أما المواطن العادي، الذي سيتحمل في النهاية جزءاً من كلفة القرارات عبر الضريبة والأسعار والخدمات العمومية، فلا يمتلك دائماً القوة التنظيمية نفسها.
والتجربة تقول إن من يملك القدرة على الوصول إلى مراكز القرار يصل قبل من يملك بطاقة الناخب وحدها.
وهكذا يتشكّل القرار المالي بين قيدين: توازنات خارجية تفرضها أو تراقبها المؤسسات والأسواق من جهة، وموازين قوى داخلية تتحرك من خلالها اللوبيات والمصالح المنظمة من جهة أخرى.
وبين القيدين، يبقى المواطن العادي الطرف الأقل تنظيماً والأضعف قدرة على التأثير.
لذلك، حين يَعِد حزب بزيادة كبيرة في الإنفاق، أو بتخفيض الضرائب، لا يكفي أن نسأله: كم سيكلف ذلك؟
ينبغي أن نسأله أيضاً:
كيف سينسجم هذا الاختيار مع مسار العجز والمديونية؟ ومن أين سيأتي بهامش التمويل؟ ومن سيستفيد منه؟ ومن سيتحمل كلفته؟ ومن سيدفع في النهاية؟
وليس المقصود أن قراراً خارجياً يمنعنا من الزيادة في الأجور، أو من تخفيض ضريبة، أو من توسيع الإنفاق الاجتماعي.
المقصود أبسط من ذلك:
لكل اختيار مالي كلفة، وهذه الكلفة ينبغي أن يعرفها الناخب قبل الاقتراع، لا أن يكتشفها بعده.
فإذا نُفذ الوعد دون موارد إضافية، ستظهر الفاتورة في مكان آخر: ضرائب، أو مديونية إضافية، أو إعادة ترتيب للنفقات.
وإذا لم يُنفذ، سيقال بعد الانتخابات إن «الظرفية لم تسمح».
وفي الحالتين، يكون الناخب قد صوّت بناءً على معلومة ناقصة.
وهنا توجد مفارقة أكبر:
السيادة في القرار المالي لا تعني تجاهل القيود، بل امتلاك القدرة على مواجهتها.
وكلما اتسعت الموارد الذاتية للدولة، وأصبح النظام الجبائي أكثر عدلاً وفعالية، وتحسنت جودة الإنفاق، وتراجع الارتهان المفرط للاقتراض، اتسع هامش القرار الوطني.
لذلك، مع تزايد الوعود خلال الأيام المقبلة، ربما يكون السؤال الذي ينبغي أن يرافق كل رقم نسمعه بسيطاً:
جميل… ولكن من سيدفع؟
ولا نقبل جواباً من نوع: «سنجد الحلول».
فالحلول لا تُوجد. الحلول تُموَّل.
فمن يريد هامشاً أكبر للقرار غداً، عليه أن يشرح لنا اليوم كيف سيموّل ذلك.
فالسيادة المالية لا تُقاس بحجم الوعود، بل بحجم القدرة على تمويلها.
وفي 23 شتنبر، يبقى القرار في النهاية للمواطن.
فلنشارك، ولنختر، ولنحاسب.

من الشعار إلى الرقم خطوة إيجابية… ومن الرقم الى التمويل خطوة ضروريةشاركتُ يوم امس الثلاثاء في نشرة ميدي1 تيفي للحديث عن ...
09/09/2026

من الشعار إلى الرقم خطوة إيجابية… ومن الرقم الى التمويل خطوة ضرورية
شاركتُ يوم امس الثلاثاء في نشرة ميدي1 تيفي للحديث عن الأرقام في البرامج الانتخابية
الرابط في أول تعليق

06/09/2026

كل خمس سنوات يبدو كأن الذاكرة السياسية تُمحى في هذا البلد.
تخرج الأحزاب ببرامجها ووعودها كلها تقريباً عن المستقبل: سنفعل، وسنرفع، وسنخفض، وسنصلح، وسنخلق، وسندعم. أما الماضي فنادرا ما يُستدعى.
بالنسبة لاحزاب المعارضة يمكن القول انها معذورة جزئيا لأنها لم تكن تدبّر الحكومة حتى نطالبها بحصيلة حكومية ومع ذلك فهي مطالبة بحصيلة عملها الرقابي والتشريعي وبحصيلة تدبيرها حيثما تولّت مسؤوليات ترابية أو غيرها.
لكن السؤال يصبح أكثر إلحاحا عندما يتعلق بأحزاب الأغلبية.
فهي تخرج علينا بوعود جديدة وبأولويات جديدة وبتشخيص جديد للأزمات وكأننا سنبدأ من الصفر.
كأن السنوات الخمس الماضية لم تكن وكأن قوانين المالية لم تعدّ ولم تصوت عليها وكأن البرامج لم تُعلن والاعتمادات لم تُصرف. وكأن أحدا غيرهم كان يحكم.
وليست هذه بدعة هذا الموسم.
عشناها في 2021 وفي 2016 وقبلهما.
اي تتغير الوجوه والألوان والشعارات لكن تبقى القاعدة.
لذلك نحاول ان نقرأ قواعد اللعبة.
أولاً: ابدأ من المستقبل
في الديمقراطيات التي ترسخت فيها ثقافة المحاسبة، يبدأ من مَارَس السلطة بحصيلته:
وعدتُ بكذا، أنجزتُ منه كذا، ولم أنجز كذا، وفشلتُ في كذا، ولهذه الأسباب.
ثم ينتقل إلى المستقبل عندنا تُحذف هذه المرحلة كاملة.
والسبب مفهوم: الحصيلة أرقام ونتائج يمكن مقارنتها بما قيل سابقاً أما الوعد فكلام عن شيء لم يقع بعد.
كما ان الكلام عن المستقبل أقل كلفة من الحساب عن الماضي.
ثانياً: تحدّث عن الخصم
عندما نسأله عن برنامجه، يحدثنا عن خصومه.
نسأله عن الحصيلة، يحدثنا عن أخلاقيات الآخرين.
نسأله عن التعليم، يحدثنا عن عدد المنتخبين الذين استقطبهم الحزب المنافس.
نسأله عن الصحة، يذكّرنا بممارسة الاستقطاب وبان من فعلها بالأمس ينتظره مثلها اليوم.
وهكذا صار الترحال موضوعاً، والاستقطاب إنجازاً، وعدد الوافدين مؤشراً على القوة.
ويكفي أن نتابع ما جرى خلال الأيام الأخيرة انتقالات لم يعرف مشهدنا السياسي مثلها من قبل، بأعداد وعلنية لم نألفها. لم تعد تُدبَّر في الكواليس؛ بل تُعلن، ويُحتفى بها، وتُقدَّم دليلاً على الجاذبية السياسية.
بل صار الحزب يفتخر بمن استقطب أكثر مما يفتخر بما أنجز، ويُقدَّم المرشح بحجم رصيده الانتخابي أكثر مما يُقدَّم ببرنامجه أو بما سيضيفه إلى المؤسسة التي يريد تمثيل المواطنين داخلها.
وللأمر ميزة لا تُقدَّر بثمن:
الحديث عن الخصم لا يحتاج أرقاماً.
أما التعليم فيحتاج أن تقول كم أنفقت، وماذا تغيّر. والصحة تحتاج مؤشرات.والشغل يحتاج نتائج.والقدرة الشرائية تحتاج مقارنة بين الوعود وما وقع فعلاً.
وهذا أكثر تعباً.
ثالثاً: عِدْ… ولا تحسب
زيادات. إعفاءات. مجانيات.دعم مضاعف.رفع للمعاشات. توسيع للحماية الاجتماعية.
مطالب تبقى مشروعة في معظمها. فمن يعترض من حيث المبدأ على تحسين دخل المواطن أو معاش المتقاعد أو جودة الخدمات؟
المشكل ليس في جمال الوعد.
المشكل في الفاتورة. حيث اذا اجمعنا ما يُوعَد به خلال موسم انتخابي واحد، سنجد عشرات المليارات من الدراهم من النفقات الإضافية.
والملاحظ ان بعض البرامج صارت تعلن كلفتها بالأرقام. وهذه خطوة تُحسب لها، وتستحق التنويه لأننا لم نعتدها.
لكن الكلفة شيء، والتمويل شيء آخر تماماً.فحين ننتقل من سؤال «كم يكلّف؟» إلى سؤال «من أين سيأتي؟»، يتغير الجواب: ونجد سطراً، أو نجد مقارنة بما أُنفق سابقاً، أو لا نجد شيئاً.
وأن يكون إنفاقا سابقا قد ضاع دون نتيجة، فذلك سبب إضافي للمحاسبة عليه. لكنه لا يخلق موارد جديدة لتمويل ما هو قادم.
فالميزانية لا تُموَّل بالمقارنات. تُموَّل بالضريبة أو بالاقتراض. ولا ثالث لهما.
بل قد نجد في البرنامج نفسه وعدا بزيادة النفقات ووعدا آخر بتخفيض الضرائب، دون أن يقال لنا كيف ستستقيم المعادلة.
لانه عملية حسابية لم يعرفها علم المالية بعد. ولا أحد يحب الحديث عن المديونية.
ولا عن خدمة الدين وما تستنزفه سنوياً من موارد كان يمكن أن تذهب إلى الاستثمار والخدمات العمومية.
ولا أحد تقريباً يفتح ملف النفقات الجبائية والإعفاءات، رغم أن الأمر يتعلق بعشرات المليارات من الموارد التي تتخلى عنها الدولة.
ولا أحد يضع أمام المواطن الفاتورة الكاملة للسنوات المقبلة: الحماية الاجتماعية، والاستثمار العمومي، والتنمية المجالية، والاستحقاقات الرياضية الكبرى، والأوراش المرتبطة بالأقاليم الجنوبية، فضلاً عن التعليم والصحة والماء والتقاعد.
كلها مطالب وأوراش لها مشروعيتها.
لكنها كلها تخرج، في النهاية، من موارد عامة محدودة.
الفاتورة موجودة دائماً. فقط هي لا تصل إلى الناخب إلا بعد الاقتراع.
رابعاً: ومن سيُنزل كل هذا؟
وهنا نصل إلى الجزء الذي يُنسى عادة في البرامج الانتخابية.
فالبرنامج لا ينفذ نفسه.
كل وعد كبير يحتاج، عاجلاً أو آجلاً، إلى قانون أو مرسوم أو اعتماد مالي أو مؤسسة تنفذه.
الضريبة قانون. والتقاعد قانون.
والدعم يحتاج قواعد ومساطر واعتمادات.والسياسات الاجتماعية تحتاج قوانين مالية سنوية. أي إن كثيراً ممن نراهم اليوم في التجمعات، أو من سيحصلون على المقاعد غداً، هم أنفسهم من سيتولون تحويل الوعود إلى قواعد قانونية وقرارات مالية.
وهنا يحق لنا أن نسأل:
هل يعرف المرشح ما في البرنامج الذي يترشح باسمه؟
وقبل ذلك: هل قرأه؟
فالمشكلة ليست فقط في جودة البرنامج، وإنما أيضاً في نوعية المؤسسة التي ستترجمه إلى قوانين.
وقد رأينا كيف يمكن أن يتحول البرلمان إلى أغلبية عددية أكثر منه فضاءً لصناعة التوافق حول الإصلاحات الكبرى. والتصويت العددي يستطيع أن يُنتج نصاً.
لكنه لا يضمن، وحده، قانوناً جيداً. فتُعدّل بعض النصوص بعد مدة قصيرة، أو تتأخر نصوصها التطبيقية، أو تظهر عند التنفيذ مشاكل لم تكن محسوبة بما يكفي عند الإعداد.
وتبقى المفارقة:أغلبية تستطيع أن تصوّت ولا تحتاج دائماً إلى أن تقنع، ومعارضة تستطيع أن تناقش ولا تملك وحدها العدد الكافي لتغيّر النتيجة.
لذلك، قبل أن تسألوا فقط عن البرنامج، اسألوا أيضاً:
من سيصوّت عليه؟ ومن سيحوّله إلى قانون؟
وفي النهاية ستُعلن نسبة المشاركة. وسنسمع من جديد عن العزوف، وعن أزمة الثقة، وعن ضرورة مصالحة الشباب مع السياسة.
وستُنظم الندوات.وستُكتب التقارير. لكن قليلاً من الناس سيقولون الحقيقة الأبسط:
المواطن راكم سنوات طويلة من التجربة، وتعلّم قواعد اللعبة.
تعلّم أن الوعد يُقال قبل الانتخابات. وأن الحصيلة نادراً ما تُستدعى عند الانتخابات التالية.
وقبل أن يسارع الطبّالة إلى اقتطاع جملة من هذا الكلام ليصنعوا منها ما ليس فيه، أقولها بوضوح:
أنا ضد المقاطعة.كنت ضدها في 2021، وما زلت. لأن من يبقى في بيته لا يعاقب أحداً؛ بل قد يقدم خدمة لمن يملك أصلاً قواعد انتخابية منظمة وجاهزة للتصويت.كلما غاب الناخب المستقل، ازداد الوزن النسبي للأصوات المعبأة سلفاً.
والصندوق، على محدوديته، يظل الأداة الديمقراطية المتاحة للمواطن كي يختار ويعاقب ويكافئ.
ومن يريد تغيير السياسة لا يستطيع أن يتركها بالكامل لمن لا يريد تغييرهم.
فلنشارك.ولنسأل.ولنحاسب.
ولنبدأ بسؤال واحد نطرحه على كل من يقرع أبوابنا طالباً تجديد الثقة:ماذا فعلتَ في السنوات الخمس الماضية؟
ومن كان في المعارضة نسأله ماذا فعل بمعارضته.
ومن كان في الأغلبية نسأله ماذا فعل بسلطته.
ومن يعدنا بمليارات جديدة نسأله من أين سيأتي بها.
ومن يَعِد بإصلاح جديد نسأله ماذا حدث للإصلاح السابق.
فالانتخابات ليست فقط موعداً لاختيار المستقبل. إنها الموعد الذي يفترض أن نحاسب فيه الماضي. ومشكلتنا أننا نبدأ كل انتخابات من المستقبل، حتى لا نحاسب أحداً على الماضي.
فمتى نبدأ من الماضي، ولو مرة واحدة؟
حميد النهري

بيوتهم من زجاج… ويتقاذفون الحجارة(3/3) الجزء الثالث الحصيلة أولاً… ثم الوعد د. حميد النهريأستاذ التعليم العالي – جامعة ع...
02/09/2026

بيوتهم من زجاج… ويتقاذفون الحجارة
(3/3) الجزء الثالث
الحصيلة أولاً… ثم الوعد

د. حميد النهري
أستاذ التعليم العالي – جامعة عبد المالك السعدي بطنجة

منذ بداية خرجاته الحزبية، عمل الوزير المنتدب المكلف بالميزانية، بصفته عضواً جديداً وبارزاً في المكتب السياسي لحزب الأصالة والمعاصرة، على اختيار نبرة الهجوم.
فهاجم في تصريحاته السياسية غلاء اللحوم والمضاربة في سوق المواشي وتفويت فرحة العيد على المغاربة، كما تحدث عن القدرة الشرائية باعتبارها أولى أولوياته السياسية والحزبية في المستقبل، وعن «المغرب بسرعتين» وضرورة توحيد إيقاع التنمية بين الجهات.
ظاهرياً هذا الكلام لا خلاف على مضمونه. لكن الملفات التي يهاجمها لم تكن بعيدة عنه. كان طرفاً أساسياً فيها، وفي موقع لم يكن هامشياً، بل في قلب القرار المالي للدولة طيلة الولاية.
وأمام هذا الوضع لم يتأخر الدفاع. فقد صرّح أحد المسؤولين بالحزب، مقدّماً نفسه بصفة قيادي في أجهزته التدبيرية، بأن الوزير المعني «ليس بالضرورة مقتنعاً بكل خيارات الحكومة التي دبر ويدبّر الميزانية من داخلها»، وأنه عبّر «في غير ما مرة» عن كون منظومة الدعم الموجّهة إلى المواشي «بقيت بلا أثر»، وأن بقية أعضاء الحكومة «كانوا على علم برأيه».
وهذا الدفاع في الحقيقة يفتح سؤالاً أخطر من السؤال الذي أراد إغلاقه: إذا كان فشل المنظومة معلوماً داخل الحكومة، فلماذا استمرت؟ مع أن المسألة تتعلق بالمال العام.
أولاً: حماية المال العام تعلو على ميثاق الأغلبية
جوهر الدفاع من داخل الحزب أنه كان رافضاً، لكنه انضبط لمنطق الحكومة ولميثاق الأغلبية.
ولنقلها بوضوح ودون مواربة: نحن نتحدث عن المال العام. لا عن خلاف تنظيمي، ولا عن تفصيل في التوازنات الحزبية، ولا عن سوء تفاهم بين شركاء. نتحدث عن ملف الدعم الموجّه إلى استيراد المواشي — الملف الذي اختُصر في الرأي العام بكلمة واحدة: «الفراقشية». وهي كلمة لم تظهر في النقاش العام عبثاً، بل عبّرت، بصرف النظر عن دقتها، عن حجم الشك الذي أحاط بطريقة تدبير هذا الدعم وبالمستفيدين منه.
ملف اشتغل بآليتين ماليتين: اعتمادات عمومية مباشرة صُرفت لفائدة مستوردين، وإعفاءات جمركية وضريبية — أي موارد تنازلت عنها الدولة. مليارات الدراهم من جيوب المغاربة، سُوّقت باعتبارها حماية للقدرة الشرائية، ثم انتهى العيد وارتفعت الأسعار وبقيت الجيوب فارغة.
واليوم، وبعد كل هذا، يُقال لنا بكل بساطة إن المنظومة «بقيت بلا أثر».
فلنسمّ الأشياء بأسمائها: إذا كان مال عمومي بهذا الحجم قد صُرف ولم يحقق هدفه المعلن، فنحن لسنا أمام سياسة فاشلة فحسب. نحن أمام سؤال مفتوح: أين ذهب هذا المال؟ ومن استفاد منه فعلاً؟
والرجل لم يكن مراقباً من الخارج. كان في قلب صناعة القرار الميزانياتي: يشارك في إعداد مشروع قانون المالية، وفي التحكيم بشأن الاعتمادات، ويدافع عن الاختيارات المالية أمام البرلمان، ويتابع تنفيذها من موقعه الحكومي. فإذا كان يعتقد فعلاً أن هذه المنظومة بلا أثر، وأنها تستنزف مالاً عمومياً دون فائدة، فأين كان واجبه؟
الجواب في نظري لا يحتمل التردد: حماية المال العام تعلو على أي ميثاق حزبي. وحين يتعارض الاثنان، فالتمرد على الميثاق ليس خيانة، بل هو عين الواجب.وفالميثاق اتفاق بين أحزاب، والمال العام أمانة أمام الشعب ولا وجه للمقارنة بين الاثنين.
بل أذهب أبعد: من يعتقد أن سياسةً ما تهدر المال العام، ثم يكتفي بالصمت انضباطاً لتوافق حكومي، يكون قد قدّم التوافق على واجب الاعتراض والمساءلة.
وأسئلتي بسيطة ومشروعة: كم كلّفت هذه المنظومة بالضبط، باعتماداتها المباشرة وبالإعفاءات المرتبطة بها؟ ومن هم المستفيدون منها بالاسم؟ وبأي معايير مُنحت؟ وأين تقييمها، وقانون المالية يقوم على منطق نجاعة الأداء والأهداف والمؤشرات؟ ولماذا استمرّ تمويلها سنة بعد سنة إذا كان فشلها معلوماً؟
والمعطيات موجودة، وبحوزة من يعنيهم الأمر — كما جاء في التصريح نفسه. فلماذا لا تُنشر؟ وما الذي يمنع نشرها اليوم، وقد أصبح الحديث عنها مباحاً في التجمعات الانتخابية؟
ثانياً: وهنا نعود إلى عنوان هذه السلسلة
فلماذا لا تُنشر هذه المعطيات؟ ولماذا لا يفتح أي طرف هذا الملف حتى النهاية، رغم أن كل طرف يملك ما يكفي لفتحه؟ الجواب في نظري بسيط: لأن كل واحد منهم مطّلع على أسرار الآخر.
هم تقاسموا الحكومة خمس سنوات. جلسوا حول نفس الطاولة، وناقشوا نفس الاعتمادات، وشاركوا في صناعة نفس القرارات الحكومية، واطّلعوا على نفس الملفات. كل واحد منهم يعرف بالتفصيل ما جرى، ويعرف أن الآخر يعرف.
ولذلك يتقاذفون الحجارة بحذر شديد، ويتوقفون عند حدود معلومة. يتهم أحدهم الآخر بالاستقطاب وبأخلاقيات التنافس، ولا يقترب أحد من الأرقام. يتحدثون عن الترحال والمرشحين والحقائب، ولا أحد يقول: هاكم الوثائق.
فبيوتهم من زجاج فعلاً. وكل واحد يعرف بالضبط أين يقع الزجاج في بيت جاره، ويعرف أن جاره يعرف أين يقع الزجاج في بيته هو.ولذلك يبقى السجال في المنطقة الآمنة: التصريحات، والبلاغات، والتسريبات المحسوبة. أما الملفات الحقيقية فتظل مغلقة بالتراضي.
والخاسر الوحيد في هذه المعادلة معروف: المواطن الذي دفع الفاتورة مرتين — مرة حين صُرف المال، ومرة حين ارتفعت الأسعار رغم صرفه.
ثالثاً: وبأي صفة يُدافَع عنه؟
ثم إن هذا الدفاع يطرح سؤالاً في الصفة، لأنها تحدّد كل ما بعدها. فالوزير دخل الحكومة تقنوقراطياً بلا لون سياسي، وظل بذلك بعيداً عن الانتقادات التي طالت الحكومة بجميع وزرائها، رغم أنه المكلف بالميزانية. واليوم أصبح عضواً في مكتب سياسي لحزب. فبأي صفة يُدافع عنه؟
إن كان بصفته تقنوقراطياً، فالتقنوقراطي لا يُحاسَب سياسياً، لكنه في المقابل لا يخطب في التجمعات ولا يقود حملات ولا يعد الناخبين ببرامج. وإن كان بصفته حزبياً، فالحزبي يتحمّل المسؤولية السياسية كاملة عن حصيلة موقعه، ولا يجوز أن يستفيد من حصانة التقنوقراطي.
أما أن يُدافَع عنه بمنطق الحزبي حين يتحدث عن المستقبل، وبمنطق التقنوقراطي حين يُسأل عن الماضي، فذلك جمعٌ بين امتيازين لا يجتمعان.
رابعاً: الحصيلة قبل الوعد
ولا أنازع أحداً في حقه في ممارسة السياسة، ولا في تقديم تصور وعرض وعود على الناخبين. هذا صلب العمل السياسي، وأتمنى أن نسمع تصورات أكثر لا أقل. لكن الترتيب يجب أن يُحترم: الحصيلة أولاً كوزير، ثم الوعد كسياسي.
فمن تولّى موقعاً حسّاساً في قلب القرار المالي للدولة خمس سنوات، مطالَب أولاً بأن يقدّم حصيلته: كم صُرف، وعلى ماذا، وبأي نتيجة. ثم بعد ذلك، ومن موقع من قدّم حسابه، يعرض تصوره للمستقبل.
أما أن تُقدَّم الوعود وحدها ويُطوى الماضي، فذلك ما يجعل الانتخابات تدور في حلقة مغلقة: نفس الملفات تُعرض كل خمس سنوات بصيغة المستقبل، ولا أحد يسأل عمّا فُعل بها.
وهنا تبرز واقعة جديدة تستحق التوقف: فقد راجت أخبار عن تزكيته ببركان، قبل أن تنقل مصادر حزبية أنه اختار في النهاية عدم الترشح والتفرغ للحملة على المستوى الوطني.
فهذه الحصيلة، حتى لو طُرحت انتخابياً، لن يكون صاحبها معروضاً مباشرة على الناخب للحكم عليها. فهو سيقود الحملة ويخاطب الناخبين ويدافع عن اختيارات ويعد بأخرى، لكنه — إذا تأكد عدم ترشحه — لن يضع اسمه أمامهم في ورقة التصويت.
صحيح أن البرلمان يستطيع مساءلته ما دام وزيراً، لكن ذلك شيء آخر. ما أتحدث عنه هنا هو المحاسبة الانتخابية المباشرة: أن يطلب المسؤول ثقة الناخب على حصيلته، فيمنحها له أو يحجبها عنه.
خامساً: وهنا المكيالان
ولنصل إلى ما أعتبره جوهر المسألة كلها. فالوزير المكلف بالميزانية ليس موظفاً ينفّذ. هو من يناقش أمام البرلمان، ومن يُقنع ويُدافع ويُحضّر ويوجّه. هذه مهمته بالتحديد، وهي مهمة مؤثرة جداً.
وقد رأيناه يمارسها بكل حزم. حين تعلق الأمر بمطالب الزيادة في الأجور، أو بتوسيع الحماية الاجتماعية، أو بأي مطلب اجتماعي له كلفة، كان الجواب جاهزاً وحاسماً: التوازنات المالية، وهامش الميزانية، وضرورة ضبط العجز. وكان يدافع عن هذا الرأي بحزم ويجعله حاضراً بقوة في النقاش الحكومي والبرلماني. فأين ذهب هذا الحزم حين تعلق الأمر بمنظومة دعم يقول اليوم إنها بلا أثر؟
هنا صار الجواب: ميثاق الأغلبية، والانضباط للمنطق الحكومي الشامل.
مكيالان واضحان: التشدّد باسم التوازنات حين يتعلق الأمر بالأجور والاجتماعي، والمرونة باسم الميثاق حين يتعلق الأمر بالدعم والامتيازات. وهذا ليس اتهاماً مني، بل استنتاج مباشر من الدفاع نفسه.
سادساً: مسلسل رديء الإخراج… أم صيغة محكمة؟
ولنتابع معاً تسلسل المحطات، فهي وحدها تكفي.
بالأمس القريب، نفى الوزير نفياً قاطعاً أي انتماء سياسي وأكد أنه لا ينتمي إلى أي تنظيم. ثم التحق بحزب وأصبح عضواً في مكتبه السياسي. ثم أعلن أنه لا يريد منصباً ولا موقعاً متقدماً داخل التنظيم. ثم راجت أخبار تزكيته ببركان. ثم نُقل عن مصادر حزبية أنه اختار عدم الترشح.
وفي الأثناء، يوجّه نقداً حاداً إلى اختيارات داخل حكومة لا يزال عضواً فيها، ويدخل في سجال سياسي مفتوح مع الحزب الذي يقود أغلبيتها، ويختار معاقل هذا الحزب بالذات لأولى خرجاته، ويدعو الآخرين إلى الترشح باسم حزبه، ثم يقدّم نفسه بوصفه مواطناً عادياً يمارس حقاً دستورياً. وأخيراً: سيشرف على الحملة دون أن يخوضها.
للوهلة الأولى يبدو هذا كله إخراجاً رديئاً لمسلسل مرتجل، وتخبّطاً يليق بمن يدخل المجال لأول مرة.
لكنني أرى فيه ما هو أخطر من الارتجال. فلننظر إلى ما أضافته كل محطة وما أسقطته:
الالتحاق بالحزب منح الغطاء السياسي والمنصة والشرعية التنظيمية.
وعدم الترشح أعفى من الخضوع للصندوق ومن المساءلة أمام ناخبين.
والإشراف على الحملة منح السلطة على المرشحين وعلى الخطاب وعلى التوجيه، دون أن يكون واحداً منهم.
فكل خطوة راكمت نفوذاً وأسقطت التزاماً. والنتيجة، على الأقل حتى الآن، صيغة تمنح تأثيراً سياسياً واسعاً من دون أن تقابلها محاسبة انتخابية شخصية مباشرة.
وقد قُدِّم لقرار عدم الترشح مبرر أخلاقي: عدم الترشح في نفس المجال الانتخابي إلى جانب زوجته المعتمدة وكيلة للائحة الجهوية. وهو مبرر محترم في ذاته، ولا أشكك في نبله. لكنه لا يجيب عن سؤال بسيط: ولماذا لم يترشح في دائرة أخرى؟
سابعاً: فما الذي يبقى للحزب؟
حين نتابع ما يجري، نجد أن الخطاب المتداول خطابه، والوعود المعلنة وعوده، والتصورات المطروحة تصوراته، والحملة ستُدار تحت إشرافه. فمن اختار المرشحين فعلاً؟ وبأي معيار؟ وعبر أي مسطرة تنظيمية؟
وإذا كانت الحملة حملته، والبرنامج المعروض على الناس برنامجه — فما الذي يبقى للحزب؟
هذا سؤال يتجاوز شخصاً بعينه، ويمسّ ما كتبتُه في الجزء الثاني: أن التنظيمات لم تعد تُنتج نخبها ولا مشاريعها، بل صارت أطراً جاهزة تُستعمل عند الحاجة.
فنحن لسنا فقط أمام أفراد مصنوعين ينتقلون بين الأحزاب. نحن أمام حزب يُعاد تشكيله حول اسم واحد، ويصبح مركباً لا مشروعاً.
وقد رأينا هذا الفيلم من قبل، مع أسماء أخرى وفي تنظيمات أخرى وبنفس الحماس. وفي كل مرة يُقال لنا إننا أمام لحظة تأسيسية جديدة، ثم ينفضّ الجميع حين تتغيّر الحسابات.
وهنا تشتغل «آلة التمجيد» بكامل طاقتها: جوقة لا تناقش مضموناً، ولا تسأل عن أرقام، ولا تطالب بحصيلة. وظيفتها أن تصنع من صاحبها منقذاً، ومن تحفّظه المتأخر بطولة، ومن سنوات صمته انضباطاً مؤسساتياً.
ويُروَّج اليوم لهذا الاسم باعتباره رجل المرحلة المقبلة، بل يُتداول اسمه لرئاسة الحكومة القادمة.
وليس في عدم ترشحه، في ذاته، ما يمنع دستورياً تداول اسمه لرئاسة الحكومة. لكن المفارقة السياسية تظل قائمة: كيف يُقدَّم للرأي العام باعتباره قائداً محتملاً للحكومة المقبلة، فيما لن يكون شخصه معروضاً مباشرة على حكم الناخبين؟
وأخيراً: لكل مرحلة رداءتها الخاصة
قلتُ في الجزء الأول إن لكل استحقاق إبداعه الخاص في الرداءة. وها نحن نرى النموذج مكتملاً.
فهذا السيناريو الذي طبّل له من طبّل، وهلّل له من هلّل، لم يضف إلى حياتنا السياسية شيئاً. بل زاد أمراضها عمقاً، وسينعكس مباشرة على ما تبقّى من ثقة المغاربة في السياسة وفي مؤسساتهم.
والمحصلة صورة مكتملة لانتهازية سياسية لا تتعلق بشخص واحد، بل بمنظومة كاملة تتبدل فيها المواقع والولاءات أسرع مما تتبدل البرامج. ووهمٌ يُصنع ويُسوَّق حول «سوبر ستار» يُنتظر منه أن يحلّ ما عجزت عنه المؤسسات.
قالوا لنا: غيجيب الديب من ديلو.
وسؤالنا أبسط بكثير: وواش جاب الديب من ديلو خلال السنوات الخمس الماضية؟ فقد كان في موقع لم يكن هامشياً، بل في قلب القرار المالي للدولة.
ماذا فعل بالقدرة الشرائية التي أصبحت اليوم أولوية للمستقبل؟ وماذا تحقق في تقليص الفوارق التي أصبح يسميها اليوم «المغرب بسرعتين»؟ وماذا كانت حصيلة السياسات التي شارك في تمويلها والدفاع عنها قبل أن يبدأ في تقديم البدائل عنها؟
هذه هي الأسئلة التي تسبق أي وعد جديد. ثم قيل لنا في النهاية إنه قد لا يخوض الانتخابات بنفسه، لكنه سيؤطّر الحملة ويساند المرشحين، وربما يعلّمهم هم أيضاً كيف «يجيبو الديب من ديلو».
وهنا تصبح المفارقة كاملة: حصيلة بلا محاسبة انتخابية مباشرة، ووعود بلا ترشح، وقيادة للحملة من خارج صندوق الاقتراع. قد يكون كل ذلك ممكناً قانوناً وتنظيمياً. لكن السؤال ليس دائماً: هل هو ممكن؟
السؤال أيضاً: هل هذا هو النموذج السياسي الذي نريد أن نبني به الثقة من جديد؟ فالديمقراطية لا تحتاج إلى «سوبر ستار» يُفترض فيه مسبقاً أنه يعرف كيف يحل مشكلات المرحلة المقبلة.
تحتاج أولاً إلى مسؤول يقول للمواطنين ماذا فعل حين كانت أدوات القرار بين يديه، ثم يعرض عليهم ما يريد فعله غداً، ويقبل أن يحكموا عليه في الحالتين.
الحصيلة أولاً… ثم الوعد.
وإلى متى سنظل نبدأ كل انتخابات من المستقبل، حتى لا نحاسب أحداً على الماضي؟

01/09/2026

نهاركن ونهاركم سعيد ترقبوا مروري في حلقة جديدة من برنامج: الحصيلة
اليوم الثلاثاء 01/09/2026

الساعة: التاسعة مساء
على قناة ميدي1 medi1 tv

الموضوع@: المنافسة السياسية في ظل انتخابات2026
تحياتي

حميد النهري: بيوتهم من زجاج… ويتقاذفون الحجارة.. نخب بلا مِلّة… ومشهد بلا محاسبة ( الجزء الثاني) 3\2الكاتب : حميد النهري...
29/08/2026

حميد النهري: بيوتهم من زجاج… ويتقاذفون الحجارة.. نخب بلا مِلّة… ومشهد بلا محاسبة ( الجزء الثاني) 3\2
الكاتب : حميد النهري vendredi 28 août 2026, 21:49 7506
انفاس بريس

يبدو أن الصراع بين حزبي الأحرار والأصالة والمعاصرة قد تجاوز مرحلة اللاعودة.

فقد أصبحت كل الأسلحة مباحة في السجال، ولم يعد أحد يرى ضرورة في أن ينضبط لفكرة أو لمبدأ أو حتى لحد أدنى من الأخلاق السياسية. المهم أن تُصيب الضربة؛ أما كيف، وبأي أداة، فتفصيل لا يشغل أحداً.
ولنتابع تسلسل الأيام الأخيرة:
بلاغ للمكتب السياسي لحزب التجمع الوطني للأحرار يوم الثلاثاء 25 غشت، يتّهم فيه شريكه في الأغلبية باستمالة منتخبيه.
ثم تسريب صوتي من الاجتماع نفسه، لمداخلة أحد أعضاء مكتبه السياسي، يناقش مستقبل حقيبة وزارية قبل أسابيع من الاقتراع.

ثم ردّ من رئيس الحزب لم ينفِ المضمون، بل انشغل بحرمة الاجتماعات وبالتهديد باللجوء إلى القضاء.
ثم، في اليوم الموالي، بلاغ لحزب الأصالة والمعاصرة يستهجن ويردّ ويذكّر بسنة 2021.
ثم بعد ذلك خرجات للوزير المعني نفسه، بصفته قيادياً حزبياً، في لقاءات حزبية.
إذن، خمس محطات في يومين. وكلها بين شريكين في الحكومة نفسها، وقّعا معاً على ميثاق للأغلبية، وحكما معاً بمقتضاه طوال الولاية.

أي أننا لسنا أمام صراع بين أغلبية ومعارضة، بل أمام حرب داخل البيت نفسه.
ولنقف عند دلالة هذا التسلسل: التسريب من داخل جهاز حزبي مغلق ليس أداة من أدوات التنافس السياسي السليم، بل يصبح سلاحاً حين يُستعمل في معركة داخلية. أما البلاغ الرسمي، فعندما نضعه إلى جانب ما دار في المداولات، يكشف المسافة بين خطاب يُصاغ للرأي العام وخطاب يُتداول داخل الغرف المغلقة.

والانتقال من مناقشة الحصيلة والبرامج إلى تبادل الاتهامات ليس تنافساً سياسياً؛ إنه علامة على أن المعركة انتقلت إلى مكان آخر.

فالمعركة لم تعد تُدار بأدوات السياسة، بل بأدوات أخرى تماماً.
وقد جاء الرد كما كان منتظراً، وبالسلاح نفسه: أنت مارستها سنة 2021، وأنا أمارسها اليوم.
لم يقل أحدهما إن الممارسة خطأ. قال إنها مورست ضده فلم يشتكِ.وقُدِّمت لنا العملية بلغة أنيقة: حوار، وإقناع، وعرض للمشروع السياسي، وحرية اختيار.

في الظاهر، كلام جميل. لكنه يفترض أمرين لا وجود لهما: أن يكون للحزب المستقبِل برنامج يُقنع، وأن يكون الملتحق قد التحق على أساسه

وأنا أتحدى — وأزن كلماتي — أن يستطيع من انتقل هذه الأيام، في هذا الطرف أو ذاك، أن يذكر نقطة واحدة من برنامج الحزب الذي غادره، فبالأحرى أن يعرف برنامج الحزب الذي التحق به.

فعلى ماذا وقع الإقناع إذن؟

أولاً: نخب بلا انتماء

في كثير مما نراه اليوم، تكاد أسباب الالتحاق تنحصر في أربعة، ويغيب البرنامج بينها تقريباً:
بسبب الشخص: الاصطفاف وراء اسم يبدو صاعداً، بحثاً عن ظلّه.

بسبب المنصب: ضمان تزكية، أو رئاسة، أو موقع في اللائحة، أو وعد بما بعد الاقتراع.
بسبب الخوف: حسابات من يقدّر أن البقاء حيث هو صار مكلفاً.
بسبب البحث عن ملاذ: الاختباء تحت مظلة أقوى.
ثم نتحدث بعد ذلك عن الديمقراطية وحرية الاختيار والتنافس النزيه. كلام للاستهلاك.
فبالأمس القريب كان الجميع يصطفّ وراء اسم واحد: تُبذل الولاءات، ويتسابق الباحثون عن المواقع للظهور في الصورة إلى جانبه. واليوم، وقد ظهر «سوبر ستار» جديد، نرى التهافت نفسه والمديح نفسه في الاتجاه الآخر. وغداً، إن لاح اسم ثالث، سيتكرر المشهد بحذافيره.
هذه نخب لا مِلّة لها. لا مرجعية تحكمها، ولا قناعة تقيّدها، ولا كلفة تدفعها حين تنقلب. مبدؤها الوحيد قراءة احتمالات الفوز.

والأدهى أن ممارسيها لم يعودوا يخجلون، بل يقدّمون انتهازيتهم على أنها «واقعية سياسية» و«نضج»

ولماذا هي كذلك؟

الجواب في تاريخنا، لا في أخلاق الأشخاص.
فقد خلصت دراسات عديدة إلى أن عدداً من سياسات الدولة بعد الاستقلال، من المغربة إلى منظومة الرخص والامتيازات والصفقات، ساهم في تشكيل جزء معتبر من البورجوازية الاقتصادية، بحيث لم يكن الصعود دائماً نتيجة المنافسة والمخاطرة الاقتصادية وحدهما. فنشأت فئة مدينة، في جزء من وجودها، لمن هيّأ لها الشروط، لا لموقعها في السوق.

وبقدر كبير، يمكن العثور على المنطق نفسه في كيفية تشكّل جزء من النخب السياسية.
فلم تُتح للأحزاب دائماً فرصة أن تُفرز نخبها طبيعياً بالنضال والتكوين والتدرج؛ فقد عرفت الحياة السياسية، عبر عقود، صناعة للأعيان والزعامات المحلية، وترتيباً للخرائط والتحالفات بحسب موازين المرحلة.
ومن صُنع لا ينتمي. ومن لم ينتمِ لا يخون حين ينتقل.
ولذلك يصبح أي حديث عن «خيانة الأمانة التنظيمية» بلا معنى. أي أمانة نطالب بها من لم يدخل التنظيم عبر بابه أصلاً؟
ومن ساهم في صناعة هذه الكائنات لا يملك أن يستنكر انتقالها، لأنها تفعل ما صُنعت من أجله.
ثانياً: حين يصبح المشروع آخر ما يهم
وهنا يفرض نفسه السؤال الآتي: هل ما زال لدينا أحزاب بالمعنى الحقيقي؟

مبدئياً، الحزب مرجعية فكرية، ومشروع، وقواعد يؤطّرها، ونخب يكوّنها بنفسه. فأين هذا مما نراه؟
فالتنظيمات تتشابه خطاباتها إلى حدّ أنك لا تستطيع نسبة برنامج إلى صاحبه لو حُذف الغلاف. لا خلاف جوهري بينها حول النموذج الاقتصادي، ولا السياسة الجبائية، ولا أولويات الإنفاق.
وإذا كانت لا تختلف في شيء تقريباً، فعلامَ تتنافس؟
الجواب، طبعاً، هو المقاعد. لا أكثر.
ويكفي دليلاً على ذلك أن ننظر كيف تغيّرت لغة الأرقام في مشهدنا. كان يُفترض أن يتنافسوا بأرقام الإنجاز: كم مؤسسة صحية، وكم منصب شغل، وأين وصل ورش التعليم.
أما اليوم فالأرقام المتداولة من نوع آخر: كم برلمانياً انتقل، وكم منتخباً استُقطب؟

صارت الحصيلة تُقاس بعدد الانتقالات لا بعدد الإنجازات. ومن يفتخر بعدد من استقطبهم يعترف ضمناً بأنه لا يملك ما يفتخر به سواه.
والآلة التي تجعل هذا مقبولاً
ولأن البرنامج لم يعد محور المعركة التي يجري الدفاع عنها أمام الرأي العام، فقد نشأت آلة تعوّضه: آلة التمجيد، ممثلة في «الطبّالين». والمصطلح، بقدر ما هو قاسٍ، فالظاهرة أقسى منه.

فالقيادات لا تتقاتل بنفسها؛ لكل طرف طبّالته: بعض المنابر التي تنتحل صفة الإعلام وهي منه براء، تُنشأ قبيل الانتخابات وتختفي بعدها؛ ولجان إلكترونية تعمل بمنطق الحملات المنسقة؛ ومن نصّبوا أنفسهم «مؤثّرين» فاكتشفوا فجأة — قبل الاقتراع بأسابيع

— أن لهم آراء سياسية عميقة، وهم لا يُنتجون رأياً بقدر ما ينفّذون طلبية.

وإنصافاً لمن يستحق: في المغرب صحافة محترمة، وما نعرفه عمّا يجري داخل هذه الأحزاب وصلنا بفضلها، لا بفضل بلاغاتها.

كما أن وظيفة هذه الآلة صناعة الأدوار: فمن انتقل يُقدَّم بطلاً شجاعاً واجه الضغوط، ومن انتقل في الاتجاه المعاكس يُقدَّم خائناً باع الأمانة أو خائفاً خضع للترهيب.

الفعل نفسه، وتوصيفان متناقضان، بحسب اتجاه الحركة فقط.

ولن أكتفي بتحميل المسؤولية للسياسيين، فذلك تبسيط مريح. فمن يصنّفون أنفسهم في خانة «العارفين بالشيء»، ممن كان يُفترض فيهم أن يكونوا صوت المعرفة والمسافة النقدية، انخرط بعضهم في البحث عن المواقع، يزنون مواقفهم بحسب ما قد يعود عليهم، ويصمتون حين يقتضي الحساب الصمت.

ثم يُقال لنا بنبرة العارف: «هذه هي السياسة». لنجب بكل صراحة: لا. هذه ليست السياسة.

هذه رداءة المشهد السياسي، وقد تجاوزت كل المقاييس.
ثالثاً: منظومة بلا محاسبة.

ويبقى السؤال الذي يفسّر كل ما سبق: لماذا يستمر هذا كله؟

لأن ما كرّسه دستور 2011 في فصله الأول — ربط المسؤولية بالمحاسبة — بقي، في الممارسة السياسية، أقرب إلى مبدأ معلن منه إلى قاعدة تنتج كلفة سياسية حقيقية.
لا أحد يكاد يُحاسَب على حصيلة. ولا أحد يدفع ثمناً سياسياً واضحاً لوعد لم يُنفَّذ، ولا لتناقض بين ما قاله بالأمس وما يفعله اليوم.

وتصدر تقارير المؤسسات الدستورية، ويسجّل المجلس الأعلى للحسابات سنة بعد أخرى ملاحظات واختلالات مرتبطة بتدبير الدعم العمومي للأحزاب وحساباتها، ثم يمرّ النقاش سريعاً، ويبقى السؤال الأكبر: أين الأثر السياسي للمحاسبة؟

وحين تنعدم الكلفة، يصبح البحث عن التموقع سلوكاً عقلانياً تماماً.
فلماذا يتعب أحدهم في بناء مشروع أو الدفاع عن قناعة، ما دام الطريق الأقصر أن يقرأ جيداً من سيصل، ويصطفّ وراءه في الوقت المناسب؟

المشكل ليس فقط في انتهازية الأفراد، بل في منظومة تكافئ الانتهازية ولا تكلّف صاحبها شيئاً.

وهؤلاء من سيقرّرون.

ولنصل إلى ما ينبغي أن يُقلق الجميع.
هؤلاء الذين انتقلوا بالأمس واصطفّوا اليوم وقد ينتقل بعضهم غداً، سيصبح جزء منهم مشرّعين، ورؤساء جماعات وجهات، وأصحاب قرار في تدبير المال والمرفق العموميين.
فبأي منطق سيقرّرون؟

بمنطق من ينتمي إلى مشروع؟ أم بمنطق من يعرف أنه وصل بصفقة، وقد يخرج بصفقة أفضل؟

واليوم اتضح مستوى المعركة، بعدما وصل الصراع إلى وزارة الاقتصاد والمالية، إحدى أقوى مراكز القرار داخل الحكومة. فهي الوزارة التي تحوّل الاختيارات السياسية إلى أرقام، والوعود إلى اعتمادات، أو تتركها شعارات بلا تمويل.
وذلك موضوع يستحق وحده مقالاً مستقلاً.
وأخيراً
قلتُ في الجزء الأول إنني لست من دعاة المقاطعة، وأكررها الآن: المقاطعة تبقى هدية لهم، لا عقاباً.

لكن لنكن صرحاء إلى النهاية: ما دامت النخب مصنوعة لا منبثقة، وما دام الاصطفاف يُكافأ ولا يكلّف شيئاً، وما دامت المسؤولية بلا محاسبة، فسنعيد كتابة هذا المقال بعد خمس سنوات، بالعبارات نفسها، وبأسماء أخرى فقط.

وهذا بالضبط ما أفعله منذ سنة 2012.

إلى متى؟

د. حميد النهري
أستاذ التعليم العالي – جامعة عبد المالك السعدي بطنجة

Address

Tangier
90000

Website

Alerts

Be the first to know and let us send you an email when Hamid Nahri - حميد النهري posts news and promotions. Your email address will not be used for any other purpose, and you can unsubscribe at any time.

Contact The University

Send a message to Hamid Nahri - حميد النهري:

Shortcuts

Share