14/09/2026
بلغ السيل الزبى… حين نَعِد بما لا نملك قراره.
بلغ السيل الزبى
ونحن في قلب الحملة الانتخابية كنا نعرف أن الوعود ستتوالى وأن دائرتها ستتسع يوماً بعد يوم وأننا سنسمع من هنا وهناك وعوداً صعبة التحقيق، وربما أخرى تثير السخرية. وهذا، إلى حد ما أمر طبيعي في كل انتخابات فالحملة تدفع الأحزاب السياسية إلى التنافس على إقناع الناخبين وتقديم ما تعتزم القيام به إذا حازت ثقتهم.
لكن الوعد شيء وتحويل كل شيء إلى وعد انتخابي شيء آخر.
ففي أيام قليلة انتقلنا من وعود كنا نطالب بمناقشة كلفتها ومصادر تمويلها وإمكان تنفيذها، إلى مستوى آخر: أن تصبح حتى القرارات التي لا يملك أصحاب الوعود سلطة اتخاذها منفردين مادة للوعد الانتخابي.
وهنا، في تقديري بلغ السيل الزبى.
أولاً: السميك… من الحوار الاجتماعي إلى الوعد الانتخابي
سبق أن توقفت عند الوعد برفع الحد الأدنى للأجر إلى 5000 درهم، ولا حاجة إلى إعادة النقاش نفسه. لكن ما يستحق التوقف عنده اليوم هو جانب آخر من المسألة.
فملف ظل طوال الولاية الحكومية موضوعاً للحوار الاجتماعي والتفاوض والتدرج، وتحضر عند مناقشته باستمرار إكراهات المقاولة والتوازنات الاقتصادية انتقل فجأة إلى التجمعات الانتخابية في صورة رقم محدد ووعد جاهز للتنزيل.
والمسألة هنا ليست فقط في قيمة الزيادة ولا في توقيتها ولا حتى في كلفتها الاقتصادية. هناك سؤال يسبق ذلك كله: من يملك القرار؟
فالحد الأدنى للأجر لا يحدده حزب سياسي بإعلان في تجمع انتخابي ولا يملكه طرف حكومي منفرداً. هناك مسطرة قانونية وهناك منظمات مهنية للمشغلين ونقابات أكثر تمثيلاً ينبغي استشارتها طبقاً لمدونة الشغل.
ومن حق أي حزب أن يقترح 5000 درهم وأن يدافع عنها في برنامجه، وأن يلتزم بالسعي إلى تحقيقها.
لكن هناك فرقاً بين أن تقول للناخب سأدافع عن هذا الاختيار وبين أن تقدمه له كما لو أن القرار أصبح في جيبك.
ولم نكن نعرف أننا بعد أيام قليلة فقط، سننتقل إلى مثال أكثر إثارة.
ثانياً: من الوعد الداخلي إلى القرار الدولي
وهنا الطامة تصريح جازم بأن نهائي مونديال 2030 سيقام في ملعب بعينه «سواء أعجب ذلك البعض أم لا».
ثم يأتي توضيح رسمي من الاتحاد الدولي لكرة القدم بأن القرار لم يُتخذ بعد.
ثم يخرج رئيس الاتحاد الإسباني لكرة القدم ليضع التصريح في سياق الحملة الانتخابية المغربية مؤكداً استمرار إسبانيا في المنافسة على احتضان النهائي.
ثم يدخل رئيس الحكومة على الخط، منتقداً استباق التوافقات مع إسبانيا والبرتغال ومذكراً بأن ملعب الحسن الثاني مشروع تقرر بقرار ملكي وتُموّله موارد الدولة.
كل هذا في أيام قليلة.
وأمام العالم.
فملف يُدار بالتفاوض مع شريكين ويظل قرار المباراة النهائية فيه بيد الاتحاد الدولي لكرة القدم، تحوّل إلى مادة في تجمع انتخابي داخلي.
ولنكن واضحين كلنا نتمنى أن يحتضن المغرب نهائي كأس العالم 2030 وسيكون ذلك مصدر اعتزاز للمغاربة جميعاً. ومن حق المسؤول المغربي أن يدافع عن ملف بلاده وأن يعمل من أجل أن يكون النهائي في بنسليمان.
لكن التمني شيء والدفاع عن الترشيح شيء وتقديم القرار كما لو أنه حُسم شيء آخر.
والمخاطَر به هنا ليس موقع هذا الطرف السياسي أو ذاك، بل صورة المغرب في تدبير ملف دولي مشترك وموقعه التفاوضي مع شركائه.
والملاحظة هي نفسها التي وجدناها في الملف الأول ولكن بصورة أوضح: القرار ليس بيد من أعلنه.
فهنا هيئة دولية صاحبة القرار، وهناك شريكان في التنظيم لكل منهما مصالحه وطموحاته وحساباته.
ثالثاً: وهو الأخطر
وسط كل هذا، انتقل النقاش.
صرنا نتابع أين ستقام مباراة بعد أربع سنوات أكثر مما نتابع ما سيحدث لأجورنا ومدارسنا ومستشفياتنا خلال السنوات المقبلة.
وأنا أفرح بما يفرح به المغاربة ولا أنقص من قيمة ما تحقق رياضياً؛ فهو مصدر اعتزاز حقيقي وأنا أول من يشجع.
لكنني أرفض أن يتحول الفرح إلى بديل عن الحساب.
فالملاعب لا تُدرّس أبناءنا. والتصريحات لا تُعالج مرضانا. والوعد بمباراة لن يُنقص درهماً من ثمن ما يشتريه الناس في السوق.
وكلما ضاق الحديث عن الحصيلة وجد السجال السياسي في الفرحة الرياضية أو الوعد بمنشأة أو الحلم المؤجل مادة أسهل من أسئلة الحساب.
لكن الأسئلة التي تؤجلها الفرحة اليوم ستعود غداً:
ماذا تحقق؟ وكم كلّف؟ ومن استفاد؟ ومن دفع?
وخلاصة القول:
في أيام قليلة رأينا وجهين للمشهد نفسه: ملفاً اجتماعياً انتقل من سنوات الحوار والتفاوض إلى وعد انتخابي وملفاً دولياً قُدّم في تجمع انتخابي كما لو أن قراره قد حُسم.
وبين الملفين قاسم واحد يستحق أن يقال بوضوح في الحالتين الوعد يتعلق بقرار لا يملكه الواعد منفرداً.
في الأول هناك مسطرة قانونية وأطراف اجتماعية لها كلمتها. وفي الثاني هناك هيئة دولية وشريكان في التنظيم.
أن تَعِد بما تملك قراره فذلك التزام يمكن محاسبتك عليه.
وأن تقترح ما لا تملك قراره منفرداً وتقول للناخب إنك ستدافع عنه وتسعى إلى تحقيقه فذلك أيضاً جزء مشروع من السياسة.
أما أن تَعِد بما لا تملك قراره وتقدمه كما لو أنه حُسم، فذلك شيء آخر.
لأن المعادلة تصبح عندئذ مريحة جداً إن تحقق الوعد نُسب النجاح إلى صاحبه وإن لم يتحقق قيل إن القرار لم يكن بيده.
إنها باختصار الوصفة المثالية لوعد انتخابي امتلاك النجاح والتنصل من الفشل.
وبين هذا وذاك يُطلب من المواطن أن يصفق.
ثم يقال له بعد الاقتراع إن الظرفية لم تسمح.
وفي 23 شتنبر لنا نحن الكلمة.
فلنسأل قبل أن نصفق.