17/09/2026
《العقيدة أولى يا أهل التوحيد 》
إن الغاية الأسمى من طلب العلم الشرعي هي معرفة الله جل وعلا، وتحقيق العبادة الخالصة له، وتثبيت أركان الإيمان في النفوس. غير أن المتأمل في الساحة الدعوية والعلمية اليوم، يلحظ ظاهرة مقلقة تستدعي التوقف والنصح؛ وهي نشوء فئة من المنتسبين للعلم، غرقوا في تفاصيل المسائل الفقهية الفرعية، وتشعبوا في الخلافات الجزئية، بينما تهاونوا في حماية أصول الدين، وتغافلوا عن ترسيخ العقيدة الصحيحة التي هي أساس النجاة.إن الانشغال المفرط بالفروع على حساب الأصول يمثل خللاً كبيراً في فقه الأولويات الشرعية. فالعقيدة في الإسلام هي الأصل الذي تبنى عليه جميع الأعمال، وبدونها تصبح العبادات والمعاملات جسداً بلا روح. كيف يستقيم لعالم أو طالب علم أن يمضي الساعات الطوال في تحرير مسألة فقهية يسع فيها الخلاف، بينما يرى الأمة تتخطفها الشبهات العقدية، وتجتاحها موجات الإلحاد المادي، أو تنخر في عقول شبابها الانحرافات الفكرية والمعرفية دون أن يحرك ساكناً؟ إن بناء الفروع قبل تمكين الأصول كمن يبني قصراً شاهقاً على أرض سبخة تفتقر إلى القواعد والأساسات، سرعان ما ينهار عند أول هزة أو عاصفة.لقد كان هدي النبي صلى الله عليه وسلم، ومن بعده الصحابة والتابعون، قائماً على التدرج الحكيم الذي يبدأ بتوحيد الله وإصلاح السرائر. وحين بعث النبي معاذاً إلى اليمن، قال له: "فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله"، ثم تدرج معه في ذكر الصلاة والزكاة. هذا المنهج النبوي يوضح أن الفروع تتبع الأصول وجوداً وعدماً، وأن قوة الأمة وصمودها في وجه الفتن لا يتأتيان إلا بعقيدة صلبة واضحة، تفهم الأسماء والصفات، وتحقق الولاء والبراء، وترسخ الإيمان باليوم الآخر.إن هذا المسلك يفرز آثاراً خطيرة على المجتمع، حيث يتربى العوام على تقديم الجزئيات على الكليات، ويقود إلى التنازع والفرقة بسبب مسائل اجتهادية، في الوقت الذي تضيع فيه الواجبات الكبرى والأصول الجامعة. كما أن الغفلة عن فقه العقيدة يضعف اليقين في القلوب، ويجعل النفوس مهيأة لتقبل الشبهات ومضلات الفتن.إن الواجب على كل عالم وداعية أن يعيد ترتيب أوراقه، وأن يجعل حماية العقيدة وترسيخ الأصول قضية الأمة الأولى. لا يعني هذا إهمال الفقه والفروع، فهي أحكام الله التي تنظم حياة الناس، ولكن المقصود هو إعطاء كل ذي حق حقه دون غلو أو تفريط. على أهل العلم أن يكونوا حصناً منيعاً للهوية الإسلامية،