23/05/2026
ألقى البروفيسور إبراهيم كالن أثناء زيارته للجامعة الإسلامية العالمية البارحة محاضرة أمام مجموعة من الأكاديميين والطلبة الزائرين من معهد التفكر الإسلامي، تناول فيها الأزمات الإبستمولوجية والأنطولوجية التي يشهدها العالم المعاصر، والتحولات العميقة التي طرأت على تصور الإنسان للوجود، متسائلًا عن الكيفية التي ينبغي لنا من خلالها إعادة بناء تصوراتنا للمعرفة والوجود والتراث.
وأشار في مستهل حديثه إلى أن الرؤية التي تطرحها الجامعة الإسلامية العالمية ليست مجرد مشروع أكاديمي اعتيادي، بل هي محاولة لتأسيس مدرسة فكرية جديدة، وبناء مناخ معرفي مختلف، وإطلاق حركة علمية وحضارية جديدة. وأضاف أن النشاط العلمي الذي يتجدّد اليوم في المنطقة الواقعة بين آيا صوفيا والسلطان أحمد يحمل في طياته أفقًا حضاريًا واعدًا.
وأوضح أن التحولات الحضارية الكبرى لا تصنعها المؤسسات الرسمية وحدها، بل تنهض أساسًا على الحلقات العلمية، والبيئات الفكرية، ومسارات تشكّل المدارس العلمية. فحركات النهضة والتنوير والثورات العلمية الحديثة في أوروبا لم تتكوّن من خلال المؤسسات التقليدية وحدها، بل تشكّلت أيضًا عبر الدوائر الفكرية والحركات المعرفية الجديدة. وكذلك فإن الشخصيات الكبرى، كالفارابي وابن سينا، لم تصنعها المؤسسات فحسب، وإنما أوجدها كذلك المناخات العلمية والفضاءات الفكرية التي احتضنتها.
وأكد أن المعرفة وحدها لا تكفي؛ إذ إن المعرفة التي لا تتكامل مع العقل والحكمة والأخلاق لا تستطيع أن تقود الإنسان إلى الحقيقة. ولذلك فالقضية ليست في امتلاك المعلومات، بل في القدرة على حمل المعرفة مقترنة بالحكمة والأخلاق. كما أشار إلى أن عصرنا هو عصر المعلومات، غير أن المعلومات ليست هي المعرفة؛ فكلما تضخمت المعلومات تراجعت شفافية الحقيقة، وأصبح الإنسان يتعلّم الكثير، لكنه يفقد المعنى.
وتناول في حديثه التحولات الكبرى التي مرّ بها العالم الحديث، مشيرًا إلى أن أول هذه التحولات تمثّل في الانتقال من التصور الكوني الكلاسيكي إلى التصور الميكانيكي للكون، حيث أصبح يُنظر إلى الكون بوصفه آلةً كبرى تعمل وفق قوانين صارمة. أما التحول الثاني، فكان بروز النموذج العقلي المركزي مع عصر التنوير، ثم التحولات التي أحدثتها فيزياء الكم، والتي أعادت تشكيل تصور الإنسان للوجود والحقيقة. أما التحول الثالث، فهو الثورة الرقمية، حيث لم تعد التكنولوجيا مجرد أداة يستخدمها الإنسان، بل غدت فضاءً جديدًا يعيد تشكيل الواقع والإنسان معًا.
وأشار إلى أن العالم الرقمي اليوم لم يعد مجرد وسيلة تقنية، بل أصبح جزءًا من بنية الوجود الإنساني المعاصر، مؤكدًا أن الإنسان لم يعد مجرد مستهلك للواقع، بل بات فاعلًا يشارك في إعادة إنتاجه وتشكيله.
كما بيّن أن من أبرز أزمات العصر الحديث اختلال التوازن بين “الحق” و”المسؤولية”، إذ يطالب الإنسان المعاصر بحقوقه باستمرار، في حين يتراجع وعيه بمسؤولياته تجاه الله والمجتمع والطبيعة ونفسه. وأكد أن قيمة الإنسان لا تكمن في مقدار القوة التي يمتلكها، بل في مستوى الوعي الأخلاقي والمسؤولية التي يحملها.
وتطرّق كذلك إلى مفاهيم الوجود والحقيقة والمفارقة في الفكر الإسلامي، موضحًا أن مفاهيم النور والظلمة، والخير والشر، والقبض والبسط، ليست ثنائيات متناقضة، بل تجليات متعددة للحقيقة. كما أشار إلى مفهوم “البرزخ” عند ابن عربي بوصفه مساحة جامعة بين الفصل والوصل، ومثالًا على الطبيعة المركبة للحقيقة.
وأوضح أن نقد الإمام الغزالي لم يكن موجّهًا إلى العقل في ذاته، وإنما إلى العقل الاختزالي الذي يحصر الوجود في بعده المادي المحض. فالعقل الحقيقي، بحسب تعبيره، لا ينفصل عن الحكمة والحدس والتأمل، كما أن المنجزات الحضارية الكبرى لم تكن نتاج الحسابات العقلية المجردة وحدها، بل ثمرة إدراك حضاري وروحي أوسع.
وفي ختام الجلسة، أشار رئيس الجامعة الأستاذ الدكتور محمد غورماز إلى الفرق بين “التفكير” و”التفكر”، مؤكدًا أن الحديث لم يدفع الإنسان نحو المعرفة فحسب، بل نحو إعادة النظر في الحقيقة ذاتها. كما شدّد على أن التحولات الكبرى التي يشهدها العالم المعاصر تفرض إعادة النظر في نظمنا التعليمية وأنماط تفكيرنا، داعيًا إلى بناء لغة فكرية جديدة ورؤية معرفية قادرة على التعامل مع التحولات الراهنة دون الانقطاع عن الجذور الحضارية والمعرفية للأمة.
وفي تعقيبه على ذلك، أكد إبراهيم قالن أن التحدي الحقيقي يتمثل في القدرة على تجديد التراث دون الانفصال عنه، والمحافظة على الأصول مع تطوير أدوات الفهم والتفكير، بما يتيح بناء رؤية حضارية جديدة قادرة على التفاعل مع العالم المعاصر والانطلاق نحو المستقبل.