08/04/2022
كتب الدكتور احمد هشام حلس
الي تنين صحاب كانوا في صفي واحنا في مدرسة معين بسيسو الثانوية للبنين في حي الشجاعية في غزة قبل 25 سنة, واحد اسمه عليوة والتاني اسمه اياد, في الثانوية العامة عليوة جاب 95 % علمي, اما اياد فجاب الراجل 70% علمي, المهم رحنا على الجامعة لنكمل دراستنا, بلشنا اندور ونختار من بين هالتخصصات, كان مفتاح قبول كلية الهندسة في الجامعة الإسلامية في حينه 85%, يعني عليوة بيدخل الهندسة بكل سهولة, وفي وقتها كانت الهندسة حلم عند الناس, مش زي اليوم, المهم عليوة صدم الجميع, صدم كل الناس البسيطة, صدم كل الاغبياء, الي تفكيرها بيجري ورا المظاهر والعنتريات التعليمية الهبلة, عليوة ما دخل هندسة, بالعكس, دخل كلية بتقبل معدل 65%, دخل كلية تجارة, ودرس اقتصاد, وبلشت الدراسة, وبلشنا ندرس, طبعا كان اخونا عليوة زي الجرافة في التجارة, بما انو مخه كتير نضيف, والمحيط تبعه اقل منه في التحصيل العلمي, لقى حاله الراجل هناك, وهذا الاشي أعطاه تحفيز هائل, شد حيله الزلمة, وصار يجيب امتياز ورا امتياز, واسمه كل فصل على لوحة الشرف, بالنسبة لأخونا اياد, اهله كانوا بيحلموا حلم انو يدرس طب, بدهم يركبوا موجة انو ابنا دكتور, في هداك الوقت, هادي القصة كان الها مفعول سحري مش طبيعي, لملموا الجماعة حالهم وقشقشوا كل مصرياتهم, وبعتو اخونا اياد يدرس طب برات البلد, الراجل انتحر عشان يقدر يدرس وينجح في الطب, وفي غزة كانوا اهل اياد مش مصدقين حالهم, ابنهم الدكتور اجا, ابنهم الدكتور راح, ابنهم الدكتور خلص سنة أولى, ابنهم الدكتور خلص سنة تانية, انا أبو الدكتور, انا اخو الدكتور, انا ام الدكتور, انا اخت الدكتور, وروب ابيض رايح, وسماعة جاية, وضلك ساحب في هالقصة الهبلة الي خلت عدد الأطباء اليوم هائل جدا, واكبر حلم عند خريجي الطب اليوم انهم يشتغلوا بالف شيكل في الشهر, وما بيحصلوها, الا بعد سنوات من الحروب الطاحنة والعذاب والقهر, المهم اهل اياد باعوا أراضيهم عشان اياد يكمل الطب, بالنسبة لعليوة, تخرج من البكالوريوس بامتياز, كانت لغته الإنجليزية ممتازة, اخد منحة ماجستير في علوم الاقتصاد في بريطانيا, سافر يكمل بكل قوة وثقة وتركيز وثبات, الراجل حاطط في راسه هدف ومركز كل جهده باتجاه هدفه, بعيدا عن شو المجتمع بده, شو اهله بدهم, شو العادات والتقاليد بدها, شو المعروف والمألوف والمعتاد والدارج بده, كان كل شغله على شو هوا بده وبس, خلص عليوة الماجستير وبكل هدوء وحب نتع منحة دكتوراه في العلوم الاقتصادية والمصرفية في جامعة كولورادوا في امريكا, طبعا كان رقم واحد في التخصص بعلم وشخصية وكاريزما مش معقولة, صار مستشار مالي وخبير اقتصادي, وبعد فترة بسيطة استلم وظيفة مدير عام لمؤسسة مالية كتير كبيرة في غزة, وراتبه بيزيد عن 4 ال 5 الاف دولار شهريا, غير الحوافز والامتيازات, اما صديقي اياد, بعد سبع سنوات, مرمط أهلها مصاريف, وبيعهم نص أراضيهم, واخد قوت اخوته, وسحب مدخرات خواته عشان يكمل, ودخلوا أهله في ازمة اقتصادية لحتى يخلصوا هالمشوار المضني الي بدأوه مع اياد, في النهاية خلص الراجل, ورجع لغزة, طبعا لما رجع انصدم هو وأهله من واقع البلد الواقع, البلد مليانة أطباء, والتنافسية بين الأطباء هائلة, وانو الازهر والإسلامية بيحضروا حالهم لتشغيل مضخة أطباء جدد, يعني بطالة الأطباء راح تفرمه فرم, بلش اياد يسعى للوظيفة الحكومة, وكان يحاول ليل ونهار لحتى يتوظف, بعد اكم سنة صحت لاياد وظيفة في الحكومة بعد ميت طوشة, وصار فيها تهديدات ورفع سلاح, المشكلة انو مأساة اياد بدأت بعد الوظيفة, بلش يشكي النا من مهنة الطب, وانها سهر ليل, وانك مش ملك نفسك, وانك شخص مرهون او مملوك او اسير او مختطف من اهلك, ومن جيرانك, ومن اصدقاءك, ومن كل شخص ممكن يشعر بالصداع, او ضيق في النفس, او دوخة, او مغص, او حرقان في الزور, او نغمشة في العين, وصارت حياة اياد عبارة عن جحيم, لا الليل ليل ولا النهار نهار, صار اياد يجري من هنا لهنا, والجوال ما بيسكت, وبسرعة بسرعة الحق سيدك تعب, الحق ابن عمك وقع, الحق بنت خالتك زورت, الحق جاركم سخن, الحق ابن نسايب اخوك مسهل, رغم انو في مستشفيات موجودة وفي عيادات خاصة فاتحة, وفيها أطباء على راس عملهم, وبياخدوا رواتب, يعني وظيفتهم يستقبلوك لما تتعب, الا انو هيك ثقافة مجتمعنا المعوقة, بيركبوا طبيب العيلة ودكتور الحارة ركب, وبيدمروا حياته, وبيعتبروه بيشتغل تحت امرهم, باسم الإنسانية وشرف المهنة وقسم الوفاء وعهد الإخلاص, ومين قلك تدرس طب, لا بياكل زي الخلق, ولا بيطش زي الخلق, ولا عنده وقت خاص, ولا عنده إجازة, ولا أي فترة نقاهة, في النهاية راتب اياد مش مكفيه لحتى يبني بيت زي الناس, اذا جاب الأرض, ما بيقدر يعمل دار, واذا قادر يعمل دار, مش قادر يشتري ارض, طبعا مع خلل في الإدارة وسوء في الصرف, حياة اياد صارت في الحضيض, ضيف الى ذلك, نفسيت اياد الي تحطمت بسبب عمله كطبيب وقربه من الحالات العنيفة, وملازمته للقصص الصعبة والمؤلمة والقاسية, تحجر قلبه, وخشنت مشاعره, وصار فش اشي مفرق معاه, وبطل يتفاعل مع أي حاجة, كل اشي عادي, الي بيتعامل مع الموت والمرض والوجع والدموع والبكاء والصراخ والحزن كل يوم كل يوم كل يوم, شو راح تلاقي عنده, الا من رحم الله, غير الإحباط واليأس والكآبة, بالنسبة لعليوة الي دخل تخصص متواضع في البداية, خلق منه مركز مرموق, بعقليته العبقرية, واصراره على التفوق, وعزيمته الجبارة, مع كم هائل من توفيق الله.....
الشاهد في القصة, انت من يصنع من تخصصك شيئ وليس العكس, فقط حدد هدفك السامي, وكرس لتحقيقه كل طاقتك وكل تفكيرك وكل جهدك, وسيبك من كلام الناس وقصص المجتمع الفارطة, راح تنجح مهما كانت الظروف....
ما ورد أعلاه هو تشخيص لحالة فردية محددة تجاه قدرات الشخص والتخصص الذي يختاره, وهو مثال مباشر مرتبط باشخاص بعينهم ولا يسحب على عموم الأطباء, فهناك نماذج طبية ترفع لها القبعات, وتمثل ركيزة امن قومي طبي ودعامة صحية متينة لشعبنا, دون أي انتقاص من قدر ومكانة وسمو شأن الطبيب الفلسطيني البطل والمخلص والحبيب, الذي نكن له جميعا كل الحب والتقدير والوفاء...
لكم مني جميعا كل الحب والتقدير