Generations and Technology University

Generations and Technology University جامعة هدفها نشر العلم والمعرفة وتجهيز جيل واع

 D.Mervan Bahri    يقول اللّهُ تعالى في محكم التنزيل:    "لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَىٰ لِسَان...
08/31/2026



D.Mervan Bahri
يقول اللّهُ تعالى في محكم التنزيل:
"لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَىٰ لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ۚ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُوا يَعْتَدُونَ (*) كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ ۚ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ"
وعن النُّعْمانِ بنِ بَشيرٍ رضي اللَّه عنهما، عن النبيِّ ﷺ قَالَ:
"مَثَلُ القَائِمِ في حُدودِ اللَّه، والْوَاقِعِ فِيهَا كَمَثَلِ قَومٍ اسْتَهَمُوا عَلَى سفينةٍ، فصارَ بعضُهم أعلاهَا، وبعضُهم أسفلَها، وكانَ الذينَ في أَسْفَلِهَا إِذَا اسْتَقَوْا مِنَ الماءِ مَرُّوا عَلَى مَنْ فَوْقَهُمْ، فَقَالُوا: لَوْ أَنَّا خَرَقْنَا في نَصيبِنا خَرْقًا وَلَمْ نُؤْذِ مَنْ فَوْقَنَا. فَإِنْ تَرَكُوهُمْ وَمَا أَرادُوا هَلكُوا جَمِيعًا، وإِنْ أَخَذُوا عَلَى أَيْدِيهِم نَجَوْا ونَجَوْا جَمِيعًا"
رواهُ البخاري
هذه الآية الكريمة ،وهذا الحديث الشريف يُعطيان صورة رمزية للحياة التي نعيش،والتي هي أشبه ما تكون بتلك السفينة التي تنوّعت فيها مواقع الناس ودرجاتهم ،تبعاً لمواقع تلك السفينة ودرجاتها ، فكان بعضهم أعلاها وبعضهم في أسفلها ، وبين أولئك وهؤلاء قومٌ آخرون همُ العامّة" الذين يتوسّطون السفينة موقعاً ومكاناً، والذين يشكلون الغالبيّة من "ركابها"،
فإن بَغى الذين في الأعلى على الذين في الأسفل وظلموهم ومنعوا عنهم "الماء"،ولم يُؤخذ على أيديهم لمنعهم من البغي والظلم ،
وإن تُرِكَ الذين في"الأسفل" ليحدثوا خرقاً في نصيبهم من السفينة بحجة طلبِ حاجتهم من الماء،
وإن بقيَ الذين يتوسّطون السفينة متفرجين ولم يمنعوا بَغيَ من هم في الأعلى،
ولاأذى من هم في الأسفل ،
لهلكوا وهلك معهم كل من السفينة،
وإن أَخذوا على يد الظالم والفاسد والمؤذي والعابث فمنعوهم لنَجَوا ونجا كل من في السفينة،
د.مروان بحري Mervan Bahri

إضاءة على كتاب : "رحلاتي إلى بلاد الإنجليز" للدكتور مازن مطبقاني مازن المطبقانيمقدمة:ليس كل من يسافر يكتب، وليس كل من يك...
08/28/2026

إضاءة على كتاب :
"رحلاتي إلى بلاد الإنجليز" للدكتور مازن مطبقاني مازن المطبقاني
مقدمة:
ليس كل من يسافر يكتب، وليس كل من يكتب يرحل حقًا. لكن الدكتور مازن مطبقاني -حفظه الله -، الأكاديمي السعودي المتخصص في الاستشراق، استطاع أن يقدم في كتابه "رحلاتي إلى بلاد الإنجليز" نموذجًا فريدًا لأدب الرحلات المعاصر؛ كتاب لا يصف المدن بقدر ما يقرأ الأرواح، ولا يسجل الآثار بقدر ما يرصد الأخلاق، ولا يلهث وراء المعالم السياحية بقدر ما يصطاد التفاصيل الإنسانية الصامتة.
هذا الكتاب، الذي صدر كأول حلقة في سلسلة رحلاته إلى الشرق والغرب، ليس مجرد مذكرات عابرة، بل هو مشروع حضاري متكامل، يكتبه باحث في الاستشراق، وأستاذ جامعي، وزوج وأب، ومؤمن يشعر بمسؤوليته تجاه دينه وأمته. وقد أتاحت له إقامته الطويلة في مدينة إكستر البريطانية (وجامعة أكسفورد) فرصة نادرة للعيش "داخل" المجتمع البريطاني، مما جعل كتابته تنبض بالحياة وتخلو من النظرات السطحية للمسافر العابر.
في هذا المقال، نحاول أن نقترب من هذا العمل الجميل، ليس لنقده، بل للاحتفاء به، واستخلاص دروسه، وتأمل جمالياته، ورصد القيمة الكبيرة التي يضيفها للمكتبة العربية والإسلامية في مجال أدب الرحلات والدراسات المقارنة.
أولًا: الكاتب..
المطبقاني ليس باحثًا برجيًا، ولا أديبًا منعزلًا. يظهر من سيرته الذاتية التي يضمنها الكتاب، أنه متعدد المواهب والخبرات؛ درس التاريخ، وتخصص في الاستشراق، وعمل صحفيًا (كتب مقالًا أسبوعيًا ثماني سنوات، ثم يوميًا تسعة أشهر)، وأسس موقعًا إلكترونيًا متخصصًا في الاستشراق، وسافر مبكرًا إلى أمريكا. هذه الخبرات المتنوعة لم تكن عائقًا، بل منحته نضجًا استثنائيًا في النظر إلى الأشياء؛ فهو يقرأ الواقع بعين المؤرخ، ويحلله بعين الصحفي، وينتقده بعين الباحث، ويعيشه بعين الإنسان البسيط الذي يعاني من غلاء السكن وتعقيدات التأشيرات.
وما يميز صوته أنه صادق تمامًا، لا يتصنع، ولا يتكلف. يكتب عن معاناته المالية بصراحة، وعن خوف زوجته بصدق، وعن إحباطه من البيروقراطية السعودية بشجاعة. هذا الصدق يجعله قريبًا من القارئ، كأنه صديق يروي له حكايته، لا كأستاذ يلقي محاضرة.
ثانيًا: البعد العائلي..مازن الإنسان
من أطرف ما في الكتاب وأعمقه، أن رحلة المطبقاني لم تكن فردية، بل رحلة عائلية بامتياز؛ زوجته خديجة (أم هاشم) وابنه الصغير هاشم يرافقانه في كل تفصيلة. هذه العائلة الصغيرة ليست مجرد "رفقة سفر"، بل هي عدسة الكاتب التي يرى من خلالها المجتمع الإنجليزي.
· خديجة ليست تابعة، بل شريكة حقيقية: تذاكر معه دروس التجويد في المسجد، تخاف في حافلة لندن الليلية، تشاركه البحث عن سكن، وتتعامل مع صاحبة البيت الأفغانية بحكمة. المطبقاني يكتب عنها باحترام وحب، وهذا يعكس نموذجًا جميلًا للأسرة المسلمة المتماسكة في مواجهة الغربة.
· هاشم الطفل الذي لم يتجاوز السنتين، يمنح الكتاب دفئًا آخر؛ فحديث الكاتب عن دفعه لعربة الطفل في شوارع إكستر الجبلية، وفرحته بالألعاب المجانية في الحدائق، وعناية المستشفى البريطاني به، كلها لقطات إنسانية تجعل الكتاب قريبًا من قلب القارئ، وتذكرنا بأن "الحضارة" تُقاس بمدى عنايتها بالأطفال والضعفاء.
هذا البعد العائلي يحول الكتاب من رصد بارد إلى تجربة معاشة، تجعل القارئ يشارك الكاتب أفراحه وأتراحه، وتجعل دروس الكتاب أعمق أثرًا.
ثالثًا: جرأة النقد الذاتي.. وشجاعة الاعتراف بالمحاسن
أجمل ما في شخصية المطبقاني أنه لا يرى عيب الآخرين قبل أن يرى عيوبه. يخصص فصولًا كاملة لنقد الذات العربية والإسلامية، بجرأة نادرة في أدب الرحلات:
· ينتقد البيروقراطية السعودية التي تسببت في ضياع منحته الأكاديمية، والإجراءات المعقدة التي جعلت الكليات العلمية تسبقه.
· ينتقد المتقاعدين العرب الذين يتحولون بعد التقاعد إلى "نكد" على أهلهم، ويتدخلون في تفاصيل المنزل، بينما بائع الصحف الإنجليزي العجوز يواصل عمله بنشاط وكرامة.
· ينتقد العرب المستوطنين في الغرب الذين يفقدون صفات الكرم والشهامة، ويصبحون أكثر جشعًا من أهل البلاد الأصلية.
· ينتقد الجامعات العربية لعدم تشجيعها للبحث العلمي، وتمركز قراراتها في أيدٍ بيروقراطية.
هذه الجرأة تجعل القارئ يثق في كاتبه تمامًا؛ فهو ليس من الذين يغطون عيوبهم ويصوبون سهام النقد إلى الخارج فقط، بل هو رجل مراجعة ذاتية، وهذا هو جوهر النضج الفكري.
وفي المقابل، لا يبخل بالاعتراف بمحاسن بريطانيا:
· الخدمات الصحية التي قدمت له ولابنه علاجًا مجانيًا دون مساءلة عن الجنسية.
· الحدائق العامة المترامية التي تعكس روح الاهتمام بالإنسان والمكان.
· النظام والمواعيد الدقيقة في الحافلات والقطارات.
· عناية المجتمع بالأطفال والمواليد الجدد (زيارات القابلة، العيادات المجانية).
· الأدب الإنجليزي العظيم (شكسبير، ديكنز) الذي يقر له بإبداعه وتأثيره العالمي.
هذه الجدلية (أكره بريطانيا وأحبها) تمنح الكتاب عمقًا وحيوية، وتخلصه من فخ الخطاب الأحادي الشائع.
رابعًا: الكتاب كمرآة اجتماعية لبريطانيا في عقدها الأول من الألفية الثالثة
يؤرخ المطبقاني لحظة تاريخية بالغة الأهمية؛ فهو يعيش في بريطانيا في أعقاب تفجيرات 7 يوليو 2005، ويشهد احتفالات إيطاليا بكأس العالم 2006، ويتابع استقالة توني بلير، ويواجه تشديدًا في قوانين التأشيرات. هذه اللحظات ليست خلفية، بل هي جزء من تحليله:
· يقرأ في الصحف ارتفاع حالات الإجهاض، وتفكك الأسرة، والعنف المنزلي، ومأساة العمال المهاجرين، فيقدم صورة موثقة لمجتمع يعاني أزمات خلقية عميقة.
· لكنه في الوقت نفسه، لا يغفل جهود المجتمع المدني، والنقاش المفتوح في الصحف، ومحاسبة البرلمان للحكومة، فيقدم صورة متوازنة وإن كانت النبرة العامة ناقدة.
هذا التوثيق الدقيق يجعل الكتاب مرجعًا مهمًا لمن يريد فهم "بريطانيا ما بعد 11 سبتمبر" من منظور عربي إسلامي واعٍ.
خامسًا: روح الكاتب الخفية
ليس المطبقاني باحثًا جافًا فقط، بل هو أديب ومتأمل؛ تظهر بصماته الأدبية في عدة مواضع:
· إشاراته الأدبية: ذكره لشكسبير وديكنز، وتأثره بالشعر العربي، وقصة حفظه لأبيات شعر أثناء زيارة وزير جزائري، وقصة والده مع الأستاذ في المدرسة.
· لمساته الصوفية والفلسفية: حديثه عن الشيخ إبراهيم الأخضر (شيخ قراء المدينة المنورة)، وتأمله في عبارة والده "الأمور مرهونة بأوقاتها"، وفلسفته في الكتابة والتأخر فيها، وقصة الرجل الذي يذكر الموت مرتين (مرة عند المقبرة ومرة عند الكلية).
· فكاهته وعفويته: حديثه عن "المجانين والمجاديب" في إكستر، وحكاياته الطريفة مع أصحاب البيوت.
وإضافة إلى كل هذا، يتميز أسلوب المطبقاني بجمال لغوي فريد؛ فهو يكتب بلغة سهلة ممتنعة، لا تتعالى على القارئ العام ولا تبتذل، قريبة من لغة الحديث اليومي لكنها تحمل في طياتها قدرة على التحليل العميق والتعبير البليغ. جمله قصيرة، تصويره دقيق، وحواراته سلسة كأنها تُسمع لا تُقرأ. وهذا الأسلوب يجعل الكتاب مقروءًا بسلاسة، ويحفز القارئ على مواصلة الصفحات دون ملل، رغم كثافة المادة وثرائها.
سادسًا: منهجية فريدة.. المذكرات الشخصية والتحليل الصحفي
يتميز أسلوب المطبقاني بالمزج بين:1 اليوميات الشخصية: تسجيل تفاصيل يومه، لقاءاته، مشاعره.2 التحليل الصحفي: قراءة متعمقة للصحف البريطانية، ونقل إحصاءاتها وتحليلاتها.3 التعليق النقدي: ربط ما يقرأه بما يراه، وبما يؤمن به كمسلم.
هذه المنهجية الثلاثية تجعل الكتاب غنيًا بالمعلومات، وتقدم للقارئ العربي مادة نادرة لا يجدها عادة في الكتب العربية؛ فهو يقرأ الخبر الصحفي كما هو، ثم يقرأ تحليل كاتب عربي له، مما يفتح له نافذة على ثقافة مختلفة بأسلوب قريب ومباشر.
كما يكتسب الكتاب قيمة أكاديمية واضحة، فهو يصلح كمرجع للباحثين في الاستشراق، وعلم الاجتماع المقارن، والإعلام الغربي، والسياسات التعليمية، حيث يجدون فيه مادة ميدانية نادرة عن واقع الجاليات المسلمة في بريطانيا، ومواقف الجامعات الغربية من الإسلام، وتحولات الخطاب الإعلامي الغربي بعد أحداث 11 سبتمبر. وهو أيضًا حالة دراسية لمن يبحث في منهجية الكتابة الرحلية المعاصرة.
سابعًا: قصص كبرى.. روايات مصغرة
من أروع ما في الكتاب، احتواؤه على حكايات طويلة تصلح كروايات مستقلة، ومنها:
· حكاية الأستاذ البريطاني والطالبة اليهودية الثرية (تمتد لعشرات الصفحات): قصة مكتملة الأركان، عن أستاذ جامعي يتهم بالتحرش، وتدخل والد ثري، ومؤامرات إدارية، واتحاد أساتذة، وتقاعد مبكر ورحلة إلى أمريكا. تكشف هذه القصة عن صورة نقدية (لكنها مشوقة) لأخلاقيات الجامعات الغربية، وصراع المصالح فيها.
· قصة السكن عند الماسونية: تفاصيل العجوز الأرملة التي تسكن مع زوجها الراحل معنويًا، وتعليقتها الماسونية، ورائحة المنزل الغامضة، وصراع المفاتيح.
· قصة السكن عند الأفغانية: امرأة تبيع السجاد، تراقب الطبخ وتنتقد. يصفها المطبقاني بطرفة لا تخلو من ألم: "نظرت إليّ وإلى زوجي كأننا قادمون من الصحراء حيث الجمال والرمال، ولا نعرف كيف نستخدم موقد الغاز والتيفال، وبدأت تلقّي علينا التعليمات في النظافة والنظام. تحمّلنا كل تلك الأوامر، لأنه ليس ثمة بديل." ثم يضيف ساخرًا: "ولما رأتنا ذات يوم اشترينا الروبيان، قالت: تأكلون الروبيان وأطفال أفغانستان لا يجدون لقمة الخبز! ولكن ما إن عاد زوجها حتى أتى بالروبيان الكبير."
هذه القصص تمنح الكتاب حياة وحركة، وتجعل القارئ يتعلق به كأنه يقرأ رواية مشوقة، لا بحثًا أكاديميًا جافًا.
ثامنًا: الموقف السياسي الواضح.. بلا مواربة
يمتلك المطبقاني مواقف سياسية واضحة، يطرحها بجرأة ومسؤولية:
· نقده لإسرائيل كدولة استعمارية توسعية، واستشهاده بتقارير التعذيب (تقرير ب. تسيلم)، وتساؤله عن موقف الإعلام العربي من هذه التقارير.
· نقده لحزب الله وإيران، ورفضه لمنطق "المقاومة المقدسة"، مشيرًا إلى تاريخ الشيعة ومواقفهم.
· دفاعه عن قضية فلسطين، وتأكيده على ضرورة العدالة.
· دفاعه عن الإسلام في وجه الانتقادات الغربية، وفي وجه الكتاب "العلمانيين" المنبهرين بالغرب داخليًا.
لكنه يفعل ذلك من موقع العالم الموضوعي، لا المتعصب؛ فيستشهد بأقوال مستشرقين (مثل تيم نبالك) ويناقشها بحوار مفتوح، ويلتقي بآراء مخالفة ويتفاعل معها بأدب واحترام.
تاسعًا: رسالة دعوية راقية.. بالحال لا بالمقال
والمثير أن المطبقاني يمارس نوعًا من الدعوة بالحال؛ فهو لا يخطب في القارئ، ولا يلقنّه الفضائل بصوت عالٍ، لكنه يُريحه – عبر صفحات الكتاب – كيف يمكن للإسلام أن يكون حلًا عمليًا لمشكلات الغرب: نظام الأسرة، الزكاة كعدالة اجتماعية، الطعام الحلال، احترام الكبير، العناية بالطفل، والوسطية في كل شيء. وهذا النوع من الدعوة أعمق أثرًا وأبقى على النفس، لأنه ينطلق من مقارنة واقعية، لا من وعظ مباشر.
عاشرًا: دروس مستفادة
يمكن للقارئ أن يستخلص من هذا الكتاب دروسًا حياتية عميقة:
· أهمية الصبر والمثابرة: قصة الكاتب في البحث عن سكن، وتجاوز عقبات التأشيرة، ومواصلة البحث العلمي رغم نقص التمويل، كلها نماذج للإرادة القوية.
· قيمة الأسرة: تظهر العلاقة بينه وبين زوجته وابنه نموذجًا للتعاون والتفاهم في مواجهة الغربة.
· أهمية النقد الذاتي قبل نقد الآخر: لا يمكن لمسلم أو عربي أن ينتقد الغرب بفعالية، ما لم يكن صادقًا في نقد عيوبه أولًا.
· الاعتدال في النظرة للغرب: هو ليس جنة ولا نارًا، بل واقع معقد، فيه الخير والشر، وفيه القدوة والمثال، وفيه العبرة والعظة.
· قيمة الكتابة والتوثيق: الكتاب نفسه هو ثمرة التزام الكاتب بالكتابة اليومية، وعدم التخلي عن هذه العادة الجميلة.
خاتمة:
"رحلاتي إلى بلاد الإنجليز" ليس كتابًا سياحيًا، ولا بحثًا أكاديميًا، ولا نصًا وعظيًا، بل هو خليط فريد وجميل من كل هذه الأنواع، في قالب سردي شيق، ونفس صادق، ورؤية ناضجة.
المطبقاني لم يذهب إلى بريطانيا ليكتشفها فقط، بل ليكتشف نفسه، ويختبر إيمانه، ويمتحن صبره، ويؤكد هويته. في كل موقف صعب، وفي كل تأمل عميق، وفي كل مقارنة بين الشرق والغرب، نجد رجلًا يحاول أن يعيش إسلامه بصدق، ويمارس إنسانيته بحرية، ويرفع صوته بالحق دون خوف.
إنه يكتب كمسلم واثق من دينه، لا يشعر بالنقص، ولا يندفع نحو الغلو؛ يكتب كمثقف عربي منفتح، لا يغلق عقله، ولا يذوب في الآخر؛ ويكتب كإنسان، يحب أسرته، ويعاني من البيروقراطية، ويحلم بمستقبل أفضل.
لهذا، يستحق هذا الكتاب أن يُقرأ، وأن يُدرس، وأن يكون نموذجًا يحتذى به في أدب الرحلات المعاصر. إنه كتاب عن الرحلة الأصعب والأهم: رحلة الإنسان نحو فهم ذاته في مرآة الآخر، ورحلة المسلم نحو إثبات حضوره دون انغلاق، ورحلة المثقف نحو النقد البناء دون تجريح.
في زمن كثرت فيه الكتابات المنبهرة بالغرب أو الناقمة عليه، يقدم الدكتورمازن المطبقاني نموذجًا نادرًا لـ الموازنة والإنصاف، مكتوبًا بقلم رحّالة، وقلب أب، وعقل باحث، وروح مؤمنة. هذا المزيج الفريد هو ما يجعل هذا الكتاب أكثر من مجرد مذكرات؛ إنه شهادة حية على إمكانية الحوار الحضاري النزيه بين الشرق والغرب.
فهل نحن، كقراء عرب ومسلمين، مستعدون لأن ننظر إلى أنفسنا بجرأة المطبقاني، وننظر إلى الآخر بإنصافه، ونكتب عن رحلاتنا بصدقه؟
الجواب بين دفتي هذا الكتاب الجميل، الذي ندعو كل محب للمعرفة والرحلات إلى أن يقتنيه، ويقرأه، ويتأمله، ويستفيد منه. ففي صفحاته حكمة، وفي سطوره متعة، وفي تأملاته عبرة، وفي صدقه قدوة.
"وما عجبي أن النساء ترجلت... ولكن تأنيث الرجال عجيب"
بهذا البيت، يستشهد المطبقاني على انحراف فطري، لكنه في كتابه كله يثبت أن الانحراف ليس في المظهر فقط، بل في غياب الصدق والعدل والرحمة. ونحن معه في هذه الرحلة، نتعلم كيف ننظر بعيوننا، لا بعيون الآخرين، وكيف نكتب بقلوبنا، لا بأقلام مستعارة
حفظ الله الدكتور مازن المطبقاني، وأطال عمره على طاعته، وبارك في جهوده، ونفع بكتبه وأبحاثه، وألهمنا وإياه طريق الرشد والاعتدال.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .
والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات .

الأستاذ الدكتور محمد سعيد مصطفى أركي

كلية الآداب والعلوم الإنسانية
قسم الدراسات الإسلامية
Generations and Technology University
#الاستشراق
#الاستغراب


مسائل من الفقه والأصول:حقّ الزوج في مرتّب زوجته العاملة !؟بسم الله الرحمن الرحيم(الرجال قوامون على النساء: ببما فضل الله...
08/28/2026

مسائل من الفقه والأصول:
حقّ الزوج في مرتّب زوجته العاملة !؟
بسم الله الرحمن الرحيم
(الرجال قوامون على النساء: ب
بما فضل الله بعضهم على بعض.
وبما أنفقوا من أموالهم).

أما بعد: سألني أحد الإخوة قال:
هل للزوج حق في مرتّب زوجته؟
وما مقدار هذا الحقّ؟
أقول وبالله التوفيق:

أولا: العلماء مختلفون قديماّ في حقّ الزوج بالإشراف على مال زوجته، سواء كان مالها منه (المهر والهدايا) مثلا.
أو كان مالا مشروعا حازته بالميراث وهدايا الأقارب والصديقات مثلا.
ولم تكن مسألة مرتّب الزوجة الثابت معروفة في تلك الأيام.
وتعد هذه المسألة حديثة معاصرة، تناولها بالبحث القانونيون، ووازن بعضهم بين أحكام القانون وأحكام الشريعة الإسلامية تجاهها.
ثانياً: ما دام السائل توجه إلي بالسؤال؛ فلست مطالبا بأن أعرض له أقوال المعاصرين الذين بحثوا هذه المسألة.
وإنما سأعرض وجهة نظري فيها؛ لأن كلامي هو مسؤوليتي.

ثالثا: يقولون في آداب البحث:
تقريب المسألة المطروحة بمثال؛ يجعلها إلى الفهم أقرب.

(١) تزوجت أنا الفقير زوجة حموية عربية.
بعد عشر سنوات من زواجنا، سألتها: "كم جلبابا لديك؟
قالت: لدي جلبابان: أحدهما صيفي والآخر شتوي.
ولدي حذاءان: أحدهما صيفي والآخر شتوي" وجميعها سوداء داكنة.
هذه الزوجة لم تكن سمحةَ اليد حتى بالبهار على الطعام.
كل شيء عندها موزون، فهل مثل هذه المرأة بحاجة إلى إشراف زوجها على مالها؟
اللهم لا.
(٢) وكان على ذمتي زوجة ثانية، لم تطالبني في حياتها كلها معي؛ أن أشتري لها ملابس جديدة، أو أشتري لها ذهبا، وتكتفي بما أختاره لها.
بيد أنها مسرفة في مسائل الطعام، وتلقي أكثر الطعام المتبقي من الوليمة في القمامة.
وعندما علمَتْ بأنني قد أتزوج عليها؛ أمست تلقي الطعام في القمامة قبل طهوه!
لنفترض أنني أحضرت إليها ثمانية فراريج؛ كانت تلقي في القمامة أربعة منها مثلا.
وكانت تكسر الأواني البيتية عمدا.

(٣) وكان لي زوجة ثالثة، عقب زواجي منها بأيام؛ اكتشفت أن لديها أكثر من (١٠٠) ثوب، وأكثر من (١٠٠) حذاء!
أقنعتها بأن تتصدق بجميعها على الفقيرات، وأنا تعهدت بغسلها في المصبغة، وطلبت من صاحبها أن يضع مع مسحوق الغسيل رائحة نفاذة، حتى لا يبقى أي أثر من رائحة المرأة في ثيابها.
وبعد غسلها وكيّها وتغليفها؛ سلمتها إلى جمعية خيرية لتوزيعها.
قبل زواجي منها كانت تلبس بدلة رسمية فضفاضة (كذا).
بعد زواجي منها؛ اشتريت لها جلبابين لتغاير بينهما، إذ هي معلمة في إحدى ثانويات عمّان.
بيد أنها لم تستطع أن تصبر على هذين الجلبابين!
بل أصبحت متى استلمت مرتبها؛ اشترت جلبابا جديدا، وقد تشتري حذاء جديدا أيضا.
وما مضى على زواجنا ثلاث سنوات، حتى امتلأت خزانتها، من الثياب والجلابيب والأحذية!
وأكثر النساء تنطبق عليهن صفات إحدى زوجاتي هؤلاء!
فهل يحق للرجل أن يكون له سلطة الإشراف على مال زوجته الخاصّ بها؟
أرى أن من حقه ذلك، لكن بالتفاهم والتراضي!
فإن رفضت وتعنتت وزعمت أنها عاقلة راشدة؛ فالشرع واضح.
(فإن خفتم شقاق بينهما؛ فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها، إن يريد إصلاحا؛ يوفق الله بينهما).
وعموم الآية يدل على مشروعية التحكيم في كل نزاع.
وهذا لا يتم حتى تطمئن الزوجة إلى أن مقصد زوجها المخلص؛ المحافظة على مالها، وأنه ليس طامعا به.

رابعا: الزوجة مطالبة بأمور ضرورية للحياة الزوجية المستقرة، منها:
القرار في مسكن الزوجية (وقرن في بيوتكن)
ويسمي الفقهاء هذا الأمر؛ حبس نفسها في بيت الزوجية، وعدم الخروج منه إلا بإذنه الصريح.
ومنها العناية بنظافتها وأناقتها وراحتها، حتى تستطيع ان تكون سكنا لزوجها على وجه التحقيق!

زوجتي المعلمة هذه، كان بين بيتها والمدرسة الني تعلّم فيها (٣٠٠) متر تقريبا.
وبين مدرستها ومكتبي (١٥٠) مترا.
كنت أوصلها إلى المدرسة في الساعة السابعة صباحا.
وتعود إلي في مكتبي، في الساعة الثالثة والنصف، قُبيلَ العصر.
إذا كنت مرتاحا، ولدي بعض الوقت؛ هيّات طعام الغداء لي ولها بنفسي!
وإن لم يكن لدي فضل وقت؛ أوصيت على طعام من المطعم!
لكن زوجتي لم تكن تتناول من الطعام سوى لقيمات، وفي بعض الأحيان لا تستطيع أن تأكل حتى لقمة واحدة!
ثم تستأذن مني وتنام من شدة التعب، إلى ما قبل وقت المغرب بساعة، حيث أوقظها لتدرك صلاة العصر قبل الغروب!

الزوجة الموظفة مثل زوجتي هذه؛ ليست قارّة في بيتها، حابسة نفسها في بيت الزوجية، فلا يجب على الزوج النفقة عليها ولا طبابتُها، من الناحية الفقهية، لكنني أشجعه على القيام بذلك، وهذا ما كنت أفعله.
والمرأة العاملة مرهقة متعبة، لا تستطيع أن توفر لزوجها السكن الذي يبتغيه من الزواج.
وهي لن تقوم بتربية أولادهما، إنما ستربيهم الخادمة، أو موظفات رياض الأطفال.

وههنا يأتي السؤال الجوهري:
في مقابل ما تقدّم: هل يحقّ للزوج مرتّبُها كله، أو بعضه، في مقابل السماح لها بالخروج من البيت والعمل؟
(١) يفترض أن يتمّ التفاهم على هذا الأمر قبل الزواج.
وما يتّفقان عليه قبل الزواج؛ يسيران عليه في حياتهما الزوجية.
(٢) فإن تزوجا، من دون اتّفاق، أو اتّفقا، ثم بدا للزوج غير ذلك؛ خيّرها زوجها بين ترك العمل، وبين منحه مرتّبَها او جزءا منه، وبين الطلاق!
ففي هذه الحال؛ لا يصح القول أبدا: لا يحق للزوج المطالبة بذلك.
إذ هي ملزمة شرعا بحبس نفسها في منزل الزوجية، وعدم الخروج منه، إلا بإذنه.
وهي ملزمة بحسن التبعّل، وهذا لا يتحقق مع غيابها عن البيت ساعات كثيرة، ينتابها في أثنائها الرهق الجسمي والتعب النفسي.
ففي هذه الحال؛ يتفاوضان بهدوء ورويّة، على أن تمنح المرأة لزوجها قسما من مرتبها في مقابل حقوقه التي تنازل هو عنها.
وإذا لم يتفقا على شيء؛ استعانا بحكم من أهله وحكم من أهلها (والصلح خير).
هذا هو الحكم الفقهيّ الذي أفهمه!

زوجتي المعلمة هذه؛ كانت تتمنى تركَ العمل، لما تعانيه من التعب والتقصير في حقّي وفي حقّ أولادها الثلاثة، من زوج لها قبلي.
بيد أنهم لا كافل لهم سواها، فهي مضطرة إلى العمل من أجلهم.
وقد عشت معها عشر سنوات كاملة، لم أسألها يوماً: كم مرتبك الشهريّ؟
وكان أولادها معتادين على حياة مترفة نسبيا، في حياة والدهم، رحمه الله تعالى.
فكنت أنا أدفع أجرة البيت الذي أسكنه معهم، وأنفق على البيت بما تجود به نفسي بعد أجرة البيت، والفقير عداب سمح!
وقد اقترضَت مني فوق ذلك ثلاثة وعشرين ألف دينار أردني، من أجل أولادها.
وعندما انفصلنا؛ طلبت مني أن أسامحها بديوني، فسامحتها، وأعطيتها مؤخّر الصداق ومتعة الطلاق عشرة آلاف دولار.
وما زلت أنفق عليها، منذ انفصلنا عام (٢٠١٦) إلى هذه الساعة (ولا تنسوا الفضل بينكم)
هدف هذا الكلام:
الحقوق شيء، والكرم والعفو؛ شيء آخر تماما.
والله تعالى أعلم.
والحمد لله على كل حال.

الدكتور عداب محمود الحمش

في سبيل العلم:الرسول وحدَة الأسوة الحسنة!؟بسم الله الرحمن الرحيم(لقد كان لكم في رسول الله أُسوة حسنة).أما بعد:قال لي صاح...
08/25/2026

في سبيل العلم:
الرسول وحدَة الأسوة الحسنة!؟
بسم الله الرحمن الرحيم
(لقد كان لكم في رسول الله أُسوة حسنة).
أما بعد:
قال لي صاحبي: ألا ترى كيف يمجّد الكتّاب مشايخهم وأساتذتهم، فلماذا لا تفعل ذلك أنت، وقد تلقيت العلوم على كبار مشايخ العصر؟
قلت لصاحبي: أنا لا أعلم سببا لتضخيم أولئك التلامذة أشياخَهم، وإضفاء صفات العظمة عليهم، إلا تضخيمَ أنفسهم!

أما أنا الفقير؛ فأعرضت عن الترجمة لأساتذتي وشيوخي؛ لأنّ أبناء هؤلاء المشايخ وقرابتهم وتلامذتهم أجمعين؛ يرفضون سوى الترجمة المنقبية التي أراها حراماً محضاً؛ لأنها تراجم محشوة بالكذب والمبالغات والخيالات!
لقد تخرّج على يديّ مئات كثيرة من حملة البكالوريوس في الشريعة والدراسات الإسلامية، وجميعهم في تقويمي العلمي جهّال!
فكيف يكون حال كثير من مشايخنا الذين لا يحملون في رؤوسهم سوى (الثانوية الشرعية) وعمائمَ ضخمة فوقها؟
من يستحق لقب عالم من مشايخي؛ ترجمته وأبرزت جوانب تفوقه وامتيازه.
وربما أثنيت عليه في تضاعيف منشوراتي.
وسكتُّ عن الباقين؛ لأن العقل المسلم ما زال بعيدا جدا عن فهم (الترجمة العلمية النقدية) فضلا عن قبول تطبيقها في الواقع.
بعض القرّاء يستغرب عندما أنتقد أبي وأعمامي وأولادي ونفسي، وربما يقول بعضهم: هذا رجل أحمق!
والذي يقول ذلك؛ هو الجاهل الأحمق عندي.
إنني أريد أن يتعلم الناس؛ أن أعلم علماء الأرض محكوم بقوله تعالى عن الإنسان:
(إنه كان ظلوما جهولا).
وقوله تعالى: (وما أوتيتم من العلم إلا قليلا)
أريد أن يتعلّم الناس كيف يراجعون أخطاءهم، وكيف يصرّحون بتغيّر اجتهاداتهم، وأن تغيّر الاجتهاد أمر محمود، وليس تناقضاً دائما، كما يظنه بعض الناس.
ومن يظنّ أن يبقى الإنسان ماتريديا حنفيا نقشبنديا، أو يبقى أشعريا شافعيا شاذليا، طيلة حياته، ويصرّ على هذا، ويسمّيه ثباتا على المبدأ؛ فهو الجهل المركّب بعينه!

وبما أننا في أسبوع مولد الرسول الأعظم صلى الله تعالى عليه وآله وسلم؛ أقول:
لا يستحق التعظيم المطلق عن القيود في أمة الإسلام سواه!
فاقرؤو سيرته القرآنية، ثم سنّته العملية التطبيقية، وأهليته للأسوة والقدوة؛ تغنيكم عن جميع العظماء، أو من تظنونهم كذلك.
والله تعالى أعلم.
والحمد لله على كل حال.

الأستاذ الدكتور عداب محمود الحمش

الشريف عداب الحمش الحسيني

اجتماعيات:لماذا يطلق الرجل ؟!بسم الله الرحمن الرحيم (وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج، وآتيتم إحداهن قنطارا؛ فلا تأخذوا من...
08/24/2026

اجتماعيات:
لماذا يطلق الرجل ؟!
بسم الله الرحمن الرحيم
(وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج، وآتيتم إحداهن قنطارا؛ فلا تأخذوا منه شيئا.
أتأخذونه بهتاناً، وإثما مبينا).
كل امرأة على وجه الأرض؛ تبغض التعدد، وتفضل الطلاق على أن تشاركها بزوجها امرأة أخرى.
وكثير من النساء غير المتدينات؛ يفضلن أن يزني أزواجهنّ، على أن يتزوجوا عليهن.
وقد حدثتني إحدى النساء الطاعنات في السنّ بفخر؛ أنها كانت تقنع المرأة التي يشتهيها زوجها، وتهيّء لهما غرفة النوم بنفسها، من شدة حبها له، وتعلقها به!
(نعوذ بالله منهما معاً).
والله تعالى عندما شرع النكاح والتعدد، وأباح الطلاق، من دون تفصيلات كثيرة؛ لأن عمارة الكون تكون بحكمة الله تعالى وتوجيهه الأسمى، وليس وفق رغبات بعض خلقه.
الله تعالى يقول: (الطلاق مرتان: فإمساك بمعروف، أو تسريح بإحسان).
قد يحبّ الشاب فتاة لجمالها.
وقد يفضل فتاة أقل جمالا من الأولى لحيائها، أو حشمتها، أو مكارم أسرتها.
وقد يحبّ أحدهما الآخر أيضاً.
لكنه بعد الزواج قد يتبيّن له أن التي فضلها على غيرها لأمور معنوية ومكارم؛ لا يستطيع أن ينسجم معها، سواء بعد زواجه مباشرة، أو بعد عشر سنين من ذاك الزواج.
فالطلاق جائز، وقد طلّق رجالٌ من الأخيار.
وحديث (أبغض الحلال إلى الله الطلاق) لا يصحّ أبداً.
إنما من الواجب على الرجل المطلّق؛ أن يوفّي مطلَّقته حقوقها المالية كاملةً، وأن يحفظ عشرة زوجته السابقة، وأن لا يتحدّث عن أسباب الطلاق عامّة، وإذا كانت شائنةً على وجه الخصوص!
وفي رأيي الخاصّ: الرجل هو المسؤول الأول عن طلاقات الغضب، في أثناء المشاجرة بين الزوجين، إذ يفترض فيه أن يكون الأكثر صبرا وحكمة وحلما.
(ولا تنسوا الفضلَ بينكم، إن الله بما تعملون بصير).
والحمد لله على كل حال.

الأستاذ الدكتور عداب محمود الحمش

مشروع الدكتور مازن مطبقاني في ضوء الدواليبي وأبو خليل                         قراءة في التكامل والتميزتمهيدفي عام 2001، ...
08/24/2026

مشروع الدكتور مازن مطبقاني في ضوء الدواليبي وأبو خليل
قراءة في التكامل والتميز
تمهيد
في عام 2001، صدر كتاب "بحوث في الاستشراق الأمريكي المعاصر" للدكتور مازن بن صلاح مطبقاني.-حفظه الله تعالى - لم يكن هذا الكتاب مجرد إضافة إلى المكتبة العربية، بل كان بمثابة خريطة معركة، أو كما يمكن تسميته: كتيب استخباراتي مكشوف لمن يريد أن يفهم كيف يعمل العدو الفكري للأمة الإسلامية في عقر داره.
مطبقاني لم يكتب هذا الكتاب من برج أكاديمي بعيد، بل عاش التجربة بنفسه. سافر إلى أمريكا، وعاش في جامعة برنستون، وحضر المحاضرات، وقابل الأساتذة، وتنفس أجواء الاستشراق عن قرب. هذا المزج بين المشاهدة الميدانية والتحليل النقدي هو ما يميز كتابه عن غيره من الكتابات التي اكتفت بالقراءة عن الغرب دون الاحتكاك به.
لكن مطبقاني لم يكن وحيداً في هذه المعركة. قبله، كان الدكتور محمد معروف الدواليبي - رحمه الله تعالى - قد خاض حوارات تاريخية مع الفاتيكان والمجلس الأوروبي، وقدم الإسلام في قالب قانوني وفكري يفهمه الغرب ويحترمه. وبعده، كان الدكتور شوقي أبو خليل -رحمه الله تعالى - يقرأ نصوص المستشرقين قراءة ناقدة، ويفنّد شبهاتهم واحدة تلو الأخرى في سلسلته الشهيرة "في الميزان".
ثلاثة رجال، ثلاثة عقود، ثلاث أدوات، لكنهم كانوا يخوضون معركة واحدة: معركة تحرير العقل العربي والإسلامي من سطوة الخطاب الاستشراقي، وتقديم رؤية بديلة واثقة عن الإسلام وتاريخه وحضارته.
هذه القراءة تحاول أن تضع المشاريع الثلاثة في الميزان، ليس لترجيح واحد على الآخر، بل لفهم كيف يتكاملون، وأين يلتقون، وأين يفترقون، وماذا يمكن أن نتعلم من كل منهم في زمن تتصاعد فيه الهجمات على الإسلام باسم "العلم" و"الموضوعية" و"حقوق الإنسان".

أولاً: مطبقاني.. المخطط الاستراتيجي والمؤسسي
قبل أن يكون مطبقاني باحثاً أكاديمياً، كان رجل استخبارات ميدانية بالمعنى الفكري. لم يكتفِ بقراءة كتب المستشرقين في مكتبته، بل سافر إلى أمريكا وبريطانيا، وعاش في جامعة برنستون لمدة شهر، وحضر المحاضرات، وقابل الأساتذة، وتنفس أجواءهم، ورأى بعينه كيف تُصنع المعرفة المشوهة عن الإسلام.
هذا الاختلاف في المنهج هو ما يميز مطبقاني عن غيره. فهو لم يكن مجرد قارئ ناقد، بل كان شاهداً على ما يحدث. وفي كتابه "بحوث في الاستشراق الأمريكي المعاصر"، يقدّم للقارئ العربي ما يشبه "خرائط المعركة": من يمول، ومن يدير، ومن يقرر، وكيف تُستخدم المعرفة الأكاديمية كسلاح في السياسة الخارجية.
كشف مطبقاني عن:
· تمويل الحكومة الأمريكية لمراكز الدراسات الشرق أوسطية من خلال مراسيم الدفاع الوطني.
· دعوة الأساتذة لتقديم شهاداتهم للكونغرس والمخابرات المركزية.
· استخدام الطلاب العرب والمسلمين كجهاز معلومات.
· استقطاب الأساتذة العرب المتغربين لتقديم روايات مشوهة عن الإسلام.
· المكارثية الجديدة بعد 11 سبتمبر، التي استهدفت كبت الحرية الأكاديمية وإجبار الأساتذة على تبني وجهة النظر الحكومية.
لكن مطبقاني لم يقف عند حد الكشف، بل انتهى إلى دعوة صريحة ومنهجية لإنشاء "دراسات استغرابية" في الجامعات الإسلامية. دعوة تجاوزت فيها مرحلة الدفاع إلى مرحلة البناء، ومرحلة الرد إلى مرحلة المبادرة.
في إحياء التراث النقدي، حقق مطبقاني كتاب "نبش الهذيان من تاريخ جرجي زيدان" للشيخ أمين الحلواني، ليؤكد أن نقد الاستشراق ليس وليد العصر الحديث، بل له جذور ضاربة في التراث الإسلامي. الشيخ الحلواني، الذي كتب رسالته في الهند عام 1307هـ، كان يصحح أخطاء جرجي زيدان اللغوية والتاريخية بدقة المحدث، ويفضح اعتماده على مصادر مشبوهة. بإعادة إحياء هذا الصوت، كان مطبقاني يقول: نحن نملك تراثاً نقدياً غنياً، ولسنا بحاجة إلى استيراد أدوات النقد من الغرب.
في تقديم النماذج الإصلاحية، كتب مطبقاني عن "عبد الحميد بن باديس: العالم الرباني والزعيم السياسي"، مقدماً نموذجاً عملياً للإصلاح الإسلامي في مواجهة الاستعمار. اعتمد على وثائق الأرشيف الفرنسي والمقابلات الشخصية، ليقدّم صورة متكاملة عن رجل جمع بين العلم والسياسة والدعوة والتنظيم. واستخلص دروساً عملية: بناء الإنسان قبل الدولة، التدرج في العمل، استغلال ثغرات القانون، الجمع بين التربية والصحافة والسياسة.
في مواجهة التحديات الاجتماعية، كتب "صور من حياة المرأة في الغرب"، ليُحذّر المرأة المسلمة من الانخداع بالصورة الإعلامية البراقة، ويُقدّم البديل الإسلامي كحل عملي. اعتمد على قصص صحفية واقعية، وعلى شهادات نساء غربيات اخترن العودة إلى البيت، وعلى اعترافات مفكرين غربيين كفوكوياما بأن تحرر المرأة كان سبباً في انهيار النظام الاجتماعي الغربي.
وهكذا، جمع مطبقاني في مشروعه بين كشف الآلية، وتأصيل التراث النقدي، وتقديم النماذج الإصلاحية، وتحصين المجتمع، في منظومة متكاملة لم يسبقه إليها أحد.

ثانياً: الدواليبي.. القائد الميداني والحواري
إذا كان مطبقاني هو المخطط الاستراتيجي الذي يضع خريطة المعركة، فإن الدكتور محمد معروف الدواليبي هو القائد في الميدان الذي يخوض المعركة فعلاً.
ففي الوقت الذي كان مطبقاني يكتب عن الاستشراق الأمريكي من جامعة برنستون، كان الدواليبي يجلس مع كبار رجال الفاتيكان والمجلس الأوروبي ومجلس الكنائس العالمي، يحاورهم بلغة القانون والفقه، ويقدّم لهم الإسلام كحل متكامل لأزماتهم. لم يقرأ الدواليبي القانون الروماني فقط، بل درّسه في كلية الحقوق بدمشق. لم يحاور الغرب من خلف جدار، بل عاش في داخله، وتعلم لغته، وفهم عقليته.
هذا التكوين الفريد جعل كتاباته مختلفة. ففي كتابه "المرأة في الإسلام"، لم يبدأ بالآيات القرآنية مباشرة، بل بدأ بعرض أوضاع المرأة في الحضارات القديمة: الهندية، واليونانية، والرومانية، والجاهلية. ثم عرض "ثورة الإسلام" على هذا الواقع البائس. هذا المنهج التاريخي المقارن كان رسالة مبطنة للغرب: نحن لا ندافع عن الإسلام دفاع المتهم، بل نعرضه كحل لأزماتكم.
وفي كتابه "الدولة والسلطة في الإسلام"، لم يرد على المستشرقين بالعواطف، بل بالمنطق القانوني. حلّل صحيفة المدينة كأول دستور مكتوب في تاريخ البشرية، وفنّد ادعاءات ويليام زارتمان ومكسيم رودنسون بأن الإسلام يفتقر إلى فكرة الدولة، وأثبت أن الدولة الإسلامية ليست ثيوقراطية، وأن مصدر السلطة فيها هو الأمة عبر البيعة.
أما في قضية المصارف، فقد كان الدواليبي جريئاً إلى درجة مدهشة. في مؤتمر باريس عام 1951، اقترح تكييف المعاملات المصرفية على عقود المضاربة بدلاً من القروض الربوية، متجاوزاً الفتاوى الجامدة التي توقف الحياة. هذه الجرأة لم تأتِ من فراغ، بل من خبرته كوزير للاقتصاد، ومن إيمانه بأن الشريعة جاءت لتحقيق مصالح العباد، وليس لمجرد الأحكام النظرية.
والدواليبي، مثل غيره، كان يمتلك انتماءً قوياً وواعياً للهوية الإسلامية. لم يخاطب الغرب من موقع الدونية أو الاستجداء، بل من موقع الندية والثقة. كان يرى الإسلام ليس مجرد دين للعبادات، بل نظاماً متكاملاً للحياة يصلح لكل زمان ومكان. وهذا الاعتزاز هو ما جعله يرد على المستشرقين في أطروحته للدكتوراه، ويواجههم بالحجة في ندوات الفاتيكان، ويقدّم الإسلام كحل لأزماتهم.
وهكذا، كان الدواليبي نموذجاً متألقاً للمفكر المسلم العالمي، الذي جمع بين الفقه والقانون والدبلوماسية، وقدم الإسلام كحل لأزمات الغرب قبل أن يقدمه دفاعاً عن نفسه.
العلاقة بين مطبقاني والدواليبي هنا واضحة: مطبقاني يضع الإطار النظري والاستراتيجي، والدواليبي يطبقه عملياً في الميدان. مطبقاني يكشف كيف يعمل الاستشراق، والدواليبي يخوض حواراً معه وينتصر عليه. مطبقاني يدعو إلى إنشاء دراسات استغرابية، والدواليبي يقدّم نموذجاً عملياً للمفكر المسلم العالمي القادر على مخاطبة الغرب بلغته.

ثالثاً: أبو خليل.. المحقق التفنيدي والنصي
إذا كان مطبقاني هو المخطط الاستراتيجي، والدواليبي هو القائد في الميدان، فإن الدكتور شوقي أبو خليل هو المحقق الجنائي الذي يفكّك النصوص ويكشف زيفها.
ففي الوقت الذي كان مطبقاني يكتب عن مؤسسات الاستشراق، والدواليبي يحاور رجاله، كان أبو خليل يجلس مع نصوصهم، يقرأها قراءة ناقدة، ويفنّد شبهاتها واحدة تلو الأخرى. في سلسلته "في الميزان"، قرأ كتب كارل بروكلمان وفيليب حتّي وغوستاف لوبون وجرجي زيدان، وبيّن اعتمادهم على مصادر مشبوهة، وسوء فهمهم للسياقات التاريخية، وإسقاطهم لعيوبهم على الإسلام.
أبو خليل لم يكن باحثاً مستقلاً فقط، بل كان أكاديمياً مؤسسياً أيضاً. كان محاضراً في جامعة دمشق، ومحاضراً في جمعية الفتح الإسلامي، ورئيساً لشعبة التاريخ والحضارة. هذا الموقع الأكاديمي منحه منبراً لنشر أفكاره، وأتاح له فرصة التفاعل مع الأجيال الشابة من الباحثين والطلاب.
لكن أبرز ما يميز مشروع أبو خليل هو نظريته في "الإسقاط". عرّف الإسقاط بأنه إلصاق عيوب الآخر به، أو تفسير سلوك الآخر بناءً على دوافع ومفاهيم نابعة من الذات المُسقِطة. وقد استعرض في كتابه "الإسقاط في مناهج المستشرقين والمبشرين" عشرين إسقاطاً شائعاً، من ادعاء أن الإسلام بدعة نصرانية، إلى أنه انتشر بالسيف، إلى أنه عدو العلم والمرأة، إلى أنه دين للعرب فقط. وفنّدها جميعاً بالأدلة العقلية والتاريخية واللغوية.
ولم يقتصر نقد أبو خليل على المستشرقين الغربيين، بل امتد إلى المفكرين العرب الذين تأثروا بالخطاب الاستشراقي، وأبرزهم جرجي زيدان. كشف كيف اعتمد زيدان على مصادر غير موثوقة، وكيف مزج الخيال بالواقع، وكيف تعمّد تشويه صورة النبي والصحابة والخلفاء والقادة الفاتحين. والأهم، كشف كيف استُثمرت روايات زيدان من قبل الحركة الطورانية التركية لتكريس العداء تجاه العرب.
إلى جانب مشروعه النقدي، كان لأبو خليل مشروع إصلاحي داخلي واضح. في كتابه "من ضيّع القرآن؟"، طرح إشكالية مركزية: الأمة لم تتراجع بسبب هجمات خارجية فقط، بل لأنها ضيّعت القرآن، ليس ضياعاً مادياً بل ضياع عمل وتفعيل ومرجعية. نقد الجمود الفقهي، والتصوف المفرط، والتقليد الأعمى، ودعا إلى إصلاح قائم على العودة إلى القرآن والاجتهاد.
وأبو خليل، مثل أخويه، كان انتماؤه للهوية الإسلامية هو المحرك الأساسي لمشروعه النقدي. هو لم يكتب ليفنّد شبهات المستشرقين من منطلق أكاديمي بارد، بل من منطلق غيرة على الإسلام وتاريخه ونبيه. هذه الغيرة هي التي جعلته يتحمل عناء قراءة مئات الصفحات من كتب بروكلمان وحتّي ولوبون، ليستخرج أخطاءهم واحدة تلو الأخرى. وهي التي جعلته يكتب بكل هذه الحدة والجرأة، لأنه كان يرى في تشويهاتهم اعتداءً على هويته وهوية أمته.
وهكذا، كان أبو خليل المحقق الناقد الذي فكّك نصوص المستشرقين، وكشف تحيزاتها، وأسس لنظرية نقدية متكاملة، مع مشروع إصلاحي داخلي لا يقل أهمية عن نقده للغرب.
العلاقة بين مطبقاني وأبو خليل واضحة أيضاً: مطبقاني يكشف الآلية المؤسسية للاستشراق، وأبو خليل يكشف الآلية النصيّة. مطبقاني يفضح المخططات الكبرى، وأبو خليل يفضح الأخطاء الجزئية. مطبقاني يدعو إلى مشروع استغرابي، وأبو خليل يقدّم أداة تفنيدية حادة.

رابعاً: كشف التعمد في التشويه: القاسم المشترك الأعمق
من أبرز ما يجمع المفكرين الثلاثة، بعد انتمائهم القوي للهوية الإسلامية، هو كشفهم أن تشويه الاستشراق للتاريخ الإسلامي والحضارة الإسلامية لم يكن مجرد أخطاء علمية أو سوء فهم، بل كان متعمداً وممنهجاً ومرتبطاً بأسباب متعددة.
الدواليبي: كشف التحيز من خلال المقارنة القانونية والتاريخية فهو لم يقل أن المستشرقين كانوا يخطئون فقط، بل كشف أن أخطاءهم كانت متكررة ومنسجمة مع رواية معادية للإسلام. في أطروحته للدكتوراه، بيّن كيف أن المستشرقين كانوا يقدّمون الفقه الإسلامي كقانون جامد غير قابل للتطور، متجاهلين مبدأ الاجتهاد الذي هو روح الفقه الإسلامي. وهذا التجاهل لم يكن صدفة، بل كان مقصوداً لإثبات أن الإسلام لا يصلح للحياة الحديثة.
وفي كتابه "الدولة والسلطة في الإسلام"، كشف كيف أن المستشرقين مثل ويليام زارتمان ومكسيم رودنسون كانوا يتعمّدون نفي وجود فكرة الدولة في الإسلام، أو وصفها بأنها "ثيوقراطية"، مع أن الأدلة التاريخية (كصحيفة المدينة) تثبت عكس ذلك. هذا التشويه كان يهدف إلى نزع الشرعية السياسية عن الإسلام، وإثبات أنه لا يصلح للحكم.
الدواليبي أيضاً كشف الأسباب السياسية وراء هذا التشويه، مشيراً إلى أن الكثير من المستشرقين كانوا يخدمون المشروع الاستعماري، وكانت كتاباتهم تُستخدم لتبرير الاحتلال والسيطرة على الشعوب الإسلامية.
أبو خليل: كشف التحيز من خلال تفنيد النصوص
فكان الأكثر تفصيلاً في كشف تعمد التشويه. في سلسلته "في الميزان"، لم يكتفِ بعرض أخطاء المستشرقين، بل كشف كيف كانت هذه الأخطاء ممنهجة وموجهة نحو تشويه الإسلام.
· بروكلمان مثلاً، وصف الغزو الفرنسي للجزائر بأنه "فتح"، بينما وصف جهاد الأمير عبد القادر بأنه "تعصب ديني". هذا الانزياح والانحياز المصطلحي لم يكن صدفة، بل كان انحيازاً صريحاً للرواية الاستعمارية.
· فيليب حتي اتهم الإسلام بأنه "دين مضطرب" وأن الفتوحات الإسلامية كانت "غزوات تخريبية"، مع أنه كان يعرف الحقائق التاريخية جيداً. أبو خليل كشف أن حتي كان يكتب من منطلق تحيز قومي (لبناني مسيحي) وأيديولوجي (غربي)، وكان يتعمّد تجاهل المصادر الإسلامية الأصيلة والاعتماد على مصادر مشبوهة.
· غوستاف لوبون ادّعى أن الإسلام انتشر بالسيف، وأنه دين عنيف، مع أن الأدلة التاريخية تثبت أن الإسلام كان أكثر تسامحاً من المسيحية في العصور الوسطى. أبو خليل كشف أن لوبون كان يكتب تحت تأثير النزعة الاستعمارية والعقلية الأوروبية العنصرية.
أبو خليل أيضاً كشف الأسباب النفسية وراء هذا التشويه، من خلال نظريته في "الإسقاط"، حيث بيّن أن المستشرقين كانوا يسقطون عيوب مجتمعاتهم (كالعنف، والتعصب، والاستغلال) على الإسلام، في محاولة لتبرئة أنفسهم وإلقاء اللوم على الآخر.
مطبقاني: كشف التحيز من خلال تحليل المؤسسات
فقد أضاف بُعداً جديداً لم يكن حاضراً في مشروعي الدواليبي وأبو خليل: كشف الآلية المؤسسية وراء تشويه الاستشراق.
في كتابه "بحوث في الاستشراق الأمريكي المعاصر"، كشف أن تشويه الاستشراق لم يكن مجرد أخطاء فردية، بل كان مخططاً له ومنظماً عبر مؤسسات أكاديمية وحكومية.
مطبقاني أيضاً كشف الأسباب السياسية والاقتصادية وراء هذا التشويه، مشيراً إلى أن الاستشراق كان يُستخدم كأداة للهيمنة والسيطرة، وأن تشويه الإسلام كان يهدف إلى تبرير العدوان على العالم الإسلامي ونهب ثرواته.
الأسباب المختلفة وراء التعمد في التشويه
من خلال مشاريعهم الثلاثة، يمكننا استخلاص الأسباب المختلفة التي دفعت المستشرقين إلى تشويه التاريخ الإسلامي عن قصد:1 الأسباب الدينية: استمرار الروح الصليبية في الغرب، والنظرة العدائية للإسلام كدين منافس للمسيحية. هذا ظهر واضحاً في كتابات بروكلمان وفيليب حتي، وفي ادعاءاتهم بأن الإسلام "بدعة نصرانية" أو "مقتبس من اليهودية".2 الأسباب السياسية: خدمة المشروع الاستعماري، وتبرير احتلال الشعوب الإسلامية. المستشرقون كانوا يقدّمون الإسلام كدين متخلف لا يصلح للحكم، لتبرير السيطرة الغربية على البلاد الإسلامية.3الأسباب النفسية: الإسقاط النفسي، حيث يسقط الغربيون عيوبهم على الإسلام. هذا ما كشفته نظرية أبو خليل في "الإسقاط".4الأسباب الاقتصادية: تبرير نهب ثروات العالم الإسلامي. الاستشراق كان يُستخدم لتقديم صورة عن الشعوب الإسلامية بأنهم "غير قادرين على إدارة أنفسهم"، مما يبرر السيطرة الغربية على مواردهم.5الأسباب المؤسسية: تمويل مراكز الدراسات الشرقية من قبل الحكومات الغربية، مما يوجّه البحث العلمي لخدمة أهداف سياسية.
لماذا كان هذا الكشف مهماً؟
كشف المفكرون الثلاثة أن تشويه الاستشراق كان متعمداً، وهذا الكشف كان مهماً لعدة أسباب:1 تحرير العقل العربي: عندما يدرك القارئ العربي أن ما يقرؤه عن الإسلام في المصادر الغربية ليس "علماً موضوعياً" بل هو تشويه متعمد، يتحرر من عقدة الدونية ويستعيد ثقته في تراثه.2 فضح ادعاءات الحياد: المستشرقون كانوا يدّعون الحياد العلمي والموضوعية، لكن كشف تعمد تشويههم فضح هذه الادعاءات.3 تأسيس رواية بديلة: عندما يثبت المفكرون أن الرواية الغربية عن الإسلام مشوهة، يفتحون الباب لتقديم رواية إسلامية بديلة، تستند إلى المصادر الأصيلة والمنهج العلمي.4تحصين الأمة: عندما يعرف المسلمون أن هناك من يتعمد تشويه تاريخهم ودينهم، يصبحون أكثر وعياً وأكثر قدرة على مواجهة هذه الحملات.

خامساً: التدرج الزمني.. تراكم المعرفة واستمرار المشروع
لا يمكن فهم المشاريع الثلاثة بمعزل عن سياقها الزمني، فالفارق الزمني بينها لم يكن مجرد فارق سنوات، بل كان فارقاً في مراحل تطور الوعي الإسلامي المعاصر، وفي توفر الأدوات المعرفية، وفي طبيعة التحديات التي واجهتها الأمة. لكن هناك فارقاً آخر أكثر أهمية: استمرارية المشروع.
الدواليبي كان الرائد والمؤسس. بدأ مشروعه في أربعينيات القرن العشرين، وخاض حواراته مع الفاتيكان والمجلس الأوروبي في الخمسينيات والستينيات، واستمر في الكتابة حتى وفاته عام 2004. مشروعه اكتمل بانتهاء حياته، لكنه ترك إرثاً ضخماً يحتاج إلى من يكمله.
أبو خليل جاء في مرحلة النضج النقدي. كتب معظم أعماله في السبعينيات والثمانينيات والتسعينيات، واستمر في العطاء حتى وفاته عام 2010. مشروعه أيضاً اكتمل بانتهاء حياته، لكنه ترك سلسلة "في الميزان" كأداة نقدية متكاملة.
أما مطبقاني، فهو يختلف عنهما. فهو لا يزال حياً، ولا يزال يكتب، ولا يزال يتابع تطورات الاستشراق وأشكاله الجديدة. مشروعه لم ينتهِ بعد، بل هو مستمر ومتطور. وهذا يمنح أعماله راهنية خاصة، ويجعل قراءتها أكثر إثارة، لأنها ليست مجرد وثائق تاريخية، بل هي جزء من معركة حية لا تزال مستمرة.
هذا التدرج الزمني لم يكن مجرد تطور تقني في الأدوات، بل كان انعكاساً لتطور الوعي الإسلامي نفسه. ففي زمن الدواليبي، كانت الأولوية لبناء الجسور وتقديم الإسلام كحل. وفي زمن أبو خليل، كانت الأولوية لتفنيد التشويهات وتحصين الوعي. وفي زمن مطبقاني، أصبحت الأولوية لكشف الآليات وتفكيك المؤسسات.
والآن، مع استمرار مطبقاني في الكتابة، ربما تكون الأولوية الجديدة هي مواجهة الاستشراق الرقمي والإعلامي والإسلاموفوبيا المصنعة، بأدوات جديدة تتناسب مع العصر الرقمي.
سادساً: الانتماء للهوية الإسلامية
رغم اختلاف مناهجهم وأدواتهم وزمانهم، فإن المفكرين الثلاثة يشتركون في سمة جوهرية واحدة: الانتماء القوي والواعي للهوية الإسلامية. وهذا الانتماء ليس مجرد شعور عاطفي، بل هو مرتكز منهجي، ومحرك علمي، ومصدر ثقة في مواجهة الغرب.
الدواليبي كان يعتز بإسلامه اعتزازاً يظهر في كل كتاباته وحواراته. لم يخاطب الغرب من موقع الدونية أو الاستجداء، بل من موقع الندية والثقة. كان يرى الإسلام ليس مجرد دين للعبادات، بل نظاماً متكاملاً للحياة يصلح لكل زمان ومكان. وهذا الاعتزاز هو ما جعله يرد على المستشرقين في أطروحته للدكتوراه، ويواجههم بالحجة في ندوات الفاتيكان، ويقدّم الإسلام كحل لأزماتهم.
أبو خليل كان انتماؤه للهوية الإسلامية هو المحرك الأساسي لمشروعه النقدي. هو لم يكتب ليفنّد شبهات المستشرقين من منطلق أكاديمي بارد، بل من منطلق غيرة على الإسلام وتاريخه ونبيه. هذه الغيرة هي التي جعلته يتحمل عناء قراءة مئات الصفحات من كتب بروكلمان وحتّي ولوبون، ليستخرج أخطاءهم واحدة تلو الأخرى. وهي التي جعلته يكتب بكل هذه الحدة والجرأة، لأنه كان يرى في تشويهاتهم اعتداءً على هويته وهوية أمته.
مطبقاني كان انتماؤه للهوية الإسلامية هو البوصلة التي وجهت مشروعه بأكمله. هو لم يدرس الاستشراق من منطلق فضول أكاديمي، بل من منطلق واجب ديني ووطني لفضح أعداء الإسلام وحماية الأمة من مخططاتهم. هذا الانتماء هو ما جعله يعيش في جامعة برنستون شهراً كاملاً، ويتنفس أجواء الاستشراق، ويحلل آلياته، ويكتب عنه بكل هذا العمق. وهو ما جعله يحقق كتاب الحلواني، ويكتب عن ابن باديس، ويحذر المرأة المسلمة من الانخداع بالصورة الغربية.
هذا الانتماء القوي للهوية الإسلامية، الذي جمعهم، هو ما جعل مشاريعهم مختلفة عن غيرها من الكتابات الأكاديمية التي تتعامل مع الإسلام كموضوع دراسة بارد. لقد كانوا يكتبون من داخل الإسلام، ومن أجله، وليس عنه فقط. وهذا ما أعطى كتاباتهم عمقاً وشغفاً وتأثيراً.

سابعاً: التقاطع والتكامل.. المشروع الثلاثي
عند وضع المشاريع الثلاثة في سياق واحد، نجد أنها تشكّل منظومة متكاملة، يمكن تشبيهها بجيش له ثلاثة أجنحة:
· مطبقاني هو الاستخبارات والاستراتيجية: يكشف خريطة العدو، وآلياته، ومؤسساته، ويمدد خطة المواجهة الشاملة.
· الدواليبي هو الدبلوماسية والقيادة الميدانية: يخوض الحوار مع العدو، ويقدم البديل، ويبني الجسور، وينتصر بالحجة.
· أبو خليل هو التحقيق والتفنيد: يفكّك نصوص العدو، ويكشف زيفها، ويسقط حججها، ويحصّن الداخل من التشويه.
وهذا التكامل ليس مصادفة. فكل منهم يغطي منطقة متميزة، مع أن كل منهم عمل في الاتجاهات الثلاثة، لكن بتركيز مختلف:
· مطبقاني تركيزه الأبرز على الجانب المؤسسي والسياسي، مع عمل في النصي والحواري.
· الدواليبي تركيزه الأبرز على الجانب الحواري والتطبيقي، مع عمل في النصي والمؤسسي.
· أبو خليل تركيزه الأبرز على الجانب النصي والتفنيدي، مع عمل في المؤسسي والحواري.
وهذا التكامل في التركيز هو ما يجعل المشروع الثلاثي أكثر قوة مما لو كان كل منهم يعمل في معزل عن الآخر. فمطبقاني يضع الخريطة، والدواليبي يخوض المعركة، وأبو خليل يفكك أسلحة العدو.
وكلهم، في النهاية، كانوا يخوضون معركة واحدة: معركة تحرير العقل العربي والإسلامي من سطوة الخطاب الاستشراقي، وتقديم رؤية بديلة واثقة عن الإسلام وتاريخه وحضارته.

خاتمة: مشروع متكامل لمواجهة الحاضر وبناء المستقبل
في زمن تتجدد فيه الهجمات على الإسلام بأشكال جديدة: استشراق رقمي، وإسلاموفوبيا مصنعة، وحملات منظمة في وسائل التواصل الاجتماعي، تبرز الحاجة إلى مشروع فكري متكامل يجمع بين ما قدّمه هؤلاء المفكرون الثلاثة.
مطبقاني يعلّمنا كيف نقرأ المؤسسات، وكيف نكشف الآليات الخفية. الدواليبي يعلّمنا كيف نحاور، وكيف نقدّم الإسلام بلغة العصر. أبو خليل يعلّمنا كيف نقرأ النصوص، وكيف نفكّك الخطابات، وكيف نصحّح المفاهيم.
وإذا كان مطبقاني قد كشف لنا كيف يعمل الاستشراق، والدواليبي قد قدّم لنا نموذج المفكر المسلم العالمي، وأبو خليل قد فكّك لنا النصوص الاستشراقية وفنّد شبهاتها، فإن المسؤولية اليوم تقع على أجيال جديدة من الباحثين والمفكرين لتكمل هذه المسيرة، وتطوّر هذه الأدوات، وتوظفها في مواجهة الأشكال الجديدة من الهجوم على الإسلام.
المعركة مع الغرب ليست معركة سلاح فقط، بل هي معركة معرفة وفهم ورؤية. وأقوى أسلحة هذه المعركة هو العلم الواعي، والانتماء الفكري الواثق، والعمل المؤسسي المنظم.
وهذه هي الرسالة الخالدة التي يحثناعليها هؤلاء المفكرون الثلاثة، كلٌّ من موقعه، وبأدواته، وبجمهوره، لكنهم جميعاً كانوا يخوضون معركة واحدة.
وختاماً، لا بد من الإشارة إلى أن الدكتور مازن مطبقاني لا يزال حياً، ولا يزال يكتب، ولا يزال يتابع تطورات الاستشراق وأشكاله الجديدة. وهذا يعني أن مشروعه لم ينتهِ بعد، بل هو مستمر ومتطور. ونحن إذ نقرأ أعماله اليوم، إنما نقرأ جزءاً من معركة حية لا تزال مستمرة، وننتظر المزيد من إسهاماته في مواجهة الاستشراق بكل أشكاله القديمة والجديدة.

والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

الأستاذ الدكتور محمد سعيد مصطفى أركي

كلية الآداب والعلوم الإنسانية
قسم الدراسات الإسلامية
Generations and Technology University

Address

Washington D.C., DC
22101

Alerts

Be the first to know and let us send you an email when Generations and Technology University posts news and promotions. Your email address will not be used for any other purpose, and you can unsubscribe at any time.

Shortcuts

Share