13/01/2026
حدّثنا أبو حيّان قال :
لما اضطرب الزمان واختلط الميزان وطفا الزبد على الحدثان خرجت أضرب الآفاق أجوب البلاد و أطوف الأمصار فرأيت من عِبر الدول ما تبصر به الأبصار، وتعتبر به الأذهان حتى انتهيت إلى أطراف الخرائط فوقع بصري على دويلة هزيلة حديثة العهد، قصيرة المجد، ضحلة الجذور؛ لم تولد من رحم الحضارات، ولا رضعت من ث*ي البطولات، وإنما نبتت نبتَ الطفيليات، تعيش على أكتاف غيرها، وتنتفخ بأوهام غيّها ،حسبت الترف قوة، و المال دولة، والضجيج هيبة فلبست ثوب العظمة وهو عليها فضفاض، وتقمّصت أدوار الإمبراطوريات وهي عنها قاصرة، هشّة البنيان مغرورة الصوت، قزمة الهمّة ، إن مشت تعثّرت، وإن نطقت تلعثمت، ترى في الفتنة سياسة، وفي التحريش كياسة ،
تمد يدها ذات اليمين لتُفسد ، وذات الشمال لتعبث،
تتزيّا بالحكمة و إزارها إلى الحمق أقرب ، وتدّعي التسامح وهي إلى الفتنة أنسب؛ فما دخلت أرضا إلا أوقدت فيها نارا، ولا لامست شأنا إلا تركته جراحا.
وفي ليلةٍ من الليالي، إذ هدأت الأصوات ولم تهدأ الصدور، دبّ الحسد في قلبها دبيب السوس في العود، وسرى في صدر أحمقها المطاع سريان النار في الهشيم، حين أبصر جيرانه يصعدون، ويتقدّمون، ويبنون وهم ثابتون فقال وقد أعياه حمقه، وأضناه ضيق صدره : كيف يتقدم الجار و ( نِحِن ) في انحدار ،
فلم يكن قوله سؤال عقل، بل شكوى عجز، ولا غيرة مجد، بل حسد نقص ،
وفي تلك الليلة ذاتها، استنفر دويلته المغرورة فحدّثت نفسها بما لا يليق، ووسوس لها غرورها أن البطش يُغني عن الحكمة، فمدّت كفّها إلى قوم حسبتهم سَهْلِيَّي الجانب، واطئي الجناح ، وما علمت أنهم أشد الرجال على الدجال و أن تحت الهدوء بأسا، وتحت الصبر حدّاً ، فخاب ظنها، واندحرت أوهامها إذ كان لينهم حِلما لا ضعفا وكان لهم لسان مبين فكشفوا حيلها و جعلوا منها عبرة لمن اعتبر ودرساً لمن اغتر ، وظهروا أصلب من الصخور إذا مُسّت، وأصدق من السيوف إذا سُلّت فانتهى حلم المغرورة بردٍ قطع الوهم من أصله، وبتر الطمع من مفصله، فانقلب الامتداد انكماشا، والطمع فضيحة
فلما مُرّغ أنفها و كُسرت صورتها وبُهت لونها، وسقط عنها قناع الهيبة، ولّت تبحث عن الشقوق وتتنقل بين الفراغات، حتى دب في عقلها الدخيل خاطرٌ أحمق فقالت : إن وراء الرمال مضارب العرب ، وقد تفرق أهلها تفرق أيدي سبأ فذاك بابٌ نلجه لنضع لنا فيه موطئ قدم بين الأوائل ،
تتمة....