01/08/2026
آراء العلماء في لفظ الجلالة "الله" من أدق مباحث العربية والعقيدة، وانقسمت إلى 3 محاور:
هل هو جامد أم مشتق ؟
وما أصل اشتقاقه إن كان مشتقاً ؟
وهل هو عربي أم دخيل ؟
أولاً: هل هو جامد أم مشتق؟
1. القول الأول: أنه جامد مرتجل، غير مشتق - وهو قول جمهور المتكلمين والأشاعرة وكثير من النحاة
قالوا: لفظ الجلالة هو **اسم علم للذات الإلهية**، مرتجل كسائر الأعلام، لم يؤخذ من شيء، ولا يشاركه فيه غيره.
حجتهم:
أنه لا يثنى ولا يجمع، ولو كان مشتقا لثني وجمع.
أنه يوصف ولا يوصف به، فتقول: الله الرحمن الرحيم، ولا تقول: الرحمن الله.
أن الاشتقاق يقتضي مشاركة المشتق والمشتق منه في المعنى، والله تعالى لا يشاركه شيء.
أنه لو كان مشتقاً لكان له قبل العلمية معنى آخر، وهذا لم ينقل.
وهذا اختيار سيبويه، والغزالي، والرازي، والخطابي، وابن تيمية في أحد قوليه.
2. القول الثاني: أنه مشتق - وهو قول جمهور النحاة البصريين والكوفيين واللغويين
قالوا: هو مشتق، ولو كان جامداً لما دل على صفة، وهو دال على صفة الألوهية.
وهذا قول الخليل بن أحمد، والكسائي، والفراء، والزجاج، وابن القيم.
ثم اختلفوا في مادة الاشتقاق على 3 أقوال مشهورة:
أ- من أَلَهَ يَأْلَهُ أُلُوهةً وإلاهةً : بمعنى عَبَدَ
فـ "الإله" هو المعبود، و "الله" أصله "الإله" ثم حذفت الهمزة لكثرة الاستعمال وأدغمت اللامان.
فقيل: إله -> الإله -> الله.
وعليه قراءة ابن عباس: "ويذرك وآلهتك" أي وعبادتك.
وهذا أرجح الأقوال عند **سيبويه وجمهرة النحاة**، وقال به ابن عباس.
ب- من لاهَ يَلُوهُ لَيْهاً ولَوَهاً : بمعنى احتجب وارتفع
فالله هو المحتجب عن الأبصار، المرتفع عن كل شيء. قال الشاعر:
لاهت فما عرفت يوما بخارجة ... يعني الشمس ارتفعت
ج- من وَلِهَ يَوْلَهُ وَلَهاً : بمعنى تحيّر
فالخلق يولهون ويتحيرون في ذاته وجلاله.
قاله **الخليل بن أحمد**، وضعفه ابن القيم لأنه يقال وله لا أله.
التفصيل الصرفي للمشتق:
أصل الكلمة عند المشتقين: إلاه على وزن فِعال. دخلت عليه الـ التعريف فصارت الإلاه**، ثم حذفت الهمزة تخفيفاً لكثرة الدور، فالتقت لام التعريف مع لام الكلمة، فأدغمتا فصارت **الله بلام مشددة مفخمة.
ثانياً: هل هو عربي أم أعجمي / دخيل؟
1. قول الجمهور: أنه عربي خالص، من صميم العربية.
وهذا قول جمهور أهل اللغة والتفسير. قال ابن جني: هو عربي، ولو كان أعجميا لم يدخل عليه الـ، لأن الأعجمي لا تدخله الـ في الأعلام.
ودليلهم أنه يجري عليه كل أحكام العربية من نداء وإعراب وتفخيم وترقيق.
2. قول قليل: أنه معرب من غير العربية
نسبه بعضهم إلى العبرانية أو السريانية:
قيل أصله العبري "إلوهيم" أو "إيل" أو "إلاه"
وقيل السرياني "لاها"
وهذا القول قاله بعض المستشرقين قديماً، ورده المحققون من المسلمين بأنه لو كان كذلك لنقل عن العرب قبل الإسلام أنهم لا يعرفونه، والثابت أن العرب في الجاهلية كانوا يعرفون الله ويقولون في تلبيتهم: "لبيك لا شريك لك إلا شريكاً هو لك" وكانوا يقولون عبد الله، وعبد الله اسم والد النبي صلى الله عليه وسلم.
قال الله: "ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله"
الخلاصة التي ترجح عند المحققين
الذي عليه أكثر المحققين مثل ابن القيم وابن كثير الجمع بين القولين:
لفظ الجلالة مشتق في الأصل من الألوهية التي هي العبادة**، لكنه بعد ذلك صار **علماً جامداً دالاً على الذات المقدسة، فأصله الوصفي مشتق، واستعماله الحالي جامد علم لا يراد به مجرد الصفة بل الذات.
فأصله الإله بمعنى المألوه أي المعبود المحبوب المعظم الذي تأله إليه القلوب، ثم غلب حتى صار لا يطلق إلا على الله تعالى، فصار كالعلم الجامد.
هل تريد التفصيل في مسألة معينة: لماذا تفخم لام الله وترقق؟ ولماذا لا يجوز تثنيته وجمعه؟ وحكم إطلاقه على غير الله؟