21/05/2026
في زمن الذكاء الاصطناعي الدكتوراه والماجستير في نصف ساعة.
✍️ Dr,manna shadad
عندما يتحول البحث العلمي من البحث والتنقيب في الكتب وفي زوايا المكتبات ومن معاناة معرفية ومهارية إلى إنتاج فوري..هنا تقف مع أهم البرامج العلمية التي أنتجها البشر(الذكاء الاصطناعي):
الذكاء الاصطناعي سلاحٌ ذو حدَّين ،فهو أداة عظيمة إذا استُخدم بوعي، لكنه قد يتحول إلى خطرٍ حقيقي حين يُساء استخدامه، خاصة في الدراسات العليا ذات الطابع البحثي ، فما كان الباحث يحتاج إلى ثلاث أو أربع سنواتٍ ليبنيه بجهد القراءة والتحليل والمراجعة، أصبح - في بعض الحالات_ يُنجز في نصف ساعة أو تزيد.
لقد راجعتُ بعض الرسائل والأبحاث، فوجدتها بالغة الدقة في الشكل، متقنة في التنسيق، لكنها تفتقر إلى روح الباحث، ولا تحمل أثرَ معاناةٍ علمية، ولا جهدَ قراءةٍ، ولا قدرةً على النقد ، لم أشعر بانتمائها الحقيقي إلى أصحابها، ولا أظن أن بعضهم يستوعب كل ما ورد فيها، مع ما تحمله من خللٍ علمي ومنهجي، و نصوصٌ متقنة في ظاهرها، لكنها تفتقر إلى روح الباحث، وإلى أثر المعاناة العلمية التي تصنع المعرفة الراسخة، وقد تتبعت بعض مراجعها فوجدتها تحيل إلى روابط متنوعة ، إما على اسم الكتاب وصورته فقط في الصفحة، أو أنه ضمن مراجع مقال أو بحث ، أو أن الإحالة إلى منتدى لا يرقى إلى المصادر العلمية..وللإنصاف فليس كل الإحالات والمراجع غير موثقة -كما ذكرنا سابقا - فلا تخلو أغلب هذه الرسائل من التوثيق الدقيق والإحالات السليمة لبعض المصادر، ونحن هنا نتحدث عن القصور- فقط- فالفرق كبير بين من يبني العلم في عقله، ويرتبه بأدواته ويبذل جهده ، ومن يجمعه في كتاب أو رسالة.
فطلبة الدراسات العليا الذين يعتمدون على الذكاء الإصطناعي بدون تدخل منهم في الجمع والتنقيح أوالترجيح يسعون وراء الفراغ العلمي وكأنهم في رحلة بحث عن الكنزالمفقود ( الحصول على الشهادة- فقط- بدون تحصيل علمي).
لا ننكر أن الذكاء الاصطناعي قد يكون الصديق الوفي الذي يساعد طلاب الدراسات العليا في إيجاد تلك الثغرات العلمية، ولكنه ربما قد يكون العدو الذي يهدد بتحويلهم إلى كائنات متكاسلة تعتمد عليه في كل شيء.
لقد كانت الماجستير والدكتوراه رحلةً علمية حقيقية، يزور فيها الباحث المكتبات الورقية والإلكترونية ،و يقرأ فيها الباحث عشرات المراجع، ويصحح، وينقح، ويعيد النظر، حتى يصبح البحث جزءًا من وعيه، أما اليوم، فنحن أمام خطرٍ حقيقي يهدد قيمة الشهادات العليا، حين تتحول من دليل كفاءةٍ علمية إلى إجراءٍ شكلي.
وما يزيد الأمر بشاعة هو جنوح بعض الباحثين و اعتمادهم على غيرهم بمقابل مادي ..بيع وشراء..وقد تجد أنّ من يستعين الباحث بهم ليسوا من ذوي التخصص المطلوب ،بل لأنهم يجيدون التعامل مع برامج الذكاء الاصطناعي.
في نهاية المطاف، يبدو أن الذكاء الاصطناعي وطلاب الدراسات العليا يعيشان في علاقة معقدة، مليئة بالتحديات والفرص على حد سواء، لكن، هل نلوم الذكاء الاصطناعي على كل شيء، أم نلوم نظام التعليم الذي لم يواكب تطورات العصر؟ دعونا لا نتشاءم كثيرا و نأمل أن يجد طلابنا الأعزاء طريقة لإثبات أنفسهم في هذا العالم المليء بالآلات وأنواع شتى من برامج البحث والتعلم، وأن تُصبح الشهادات العليا رمزًا لحقيقة الجهد والابتكار، وليس مجرد رسائل تُجمع في كتب .
ونحن نرى أنّ المسؤولية الأخلاقية والأكاديمية اليوم تقع على عاتق الجامعات وهيئات الدراسات العليا، لإعادة الاعتبار لصرامة التقييم، والتأكد من أن حامل الشهادة يمتلك العلم فهمًا وتحليلًا، لا مجرد نصوصٍ جاهزة، مغلفة في كتاب وعليهم أن يضعوا بعض الضوابط التي تضمن أن يكون الباحث جديرا بنيل الشهادة.
ومقالنا عن سوء استخدام الذكاء الاصطناعي واستغلاله ، لا عن الإفادة منها ومن برامج التكنولوجيا المتطورة.
والعنوان مستوحى من برنامج تلفزيوني للإعلامي القدير سفيان المطحني (أتحداك في نصف ساعة)
أ.م .د.مناع شداد
الصور مولدة بالذكاء الاصطناعي ولا تخص شخصا بعينه